
1
إن كان ثمة درس بليغ من العدوان الأجنبي المتعدد الأطراف، الذي كان أن ينجح في اختطاف الدولة السودانية مستخدماً أدوات محلية بذرائع محلية، فهو أن التهديد الوجودي للدولة السودانية ما كان أن يبلغ هذا المدى الخطير من الانزلاق نحو هاوية يوشك أن يقع فيها لولا الغفلة المستدامة، التي لازمت إدارة البلاد، وطبعت مسار الحكم الوطني منذ بواكيره، عن الضرورة الملحة لتعريف مصالحه الاستراتيجية لتؤسس نظرية شاملة للأمن القومي، وهو ما يعني أن التهديد الوجودي للدولة لا يأتي من الخارج فحسب بل له أيضاً عوامل داخلية أكثر خطورة في غياب تعريف جامع للمصالح العليا، ومنظور شامل للأمن القومي قادر على الوفاء باستحقاقات الحفاظ على الدولة ومصالح شعبها.
2
ولذلك فإن تعريف المصالح الوطنية وخدمتها بكل المقدرات فريضة لا مناص منها لأي دولة من أجل الحفاظ على وجودها، وهي ليست نافلة ولا ترفاً، بل تكريس بإطار محكم الأهداف والمعايير، يحدد بإدراك ووعي عميقين مصالحها الاستراتيجية العليا التي يجب أن تؤسس بالضرورة على رؤية وطنية جامعة مشتركة وملزمة، تعرّف محددات ومهددات تلك المصالح العامة المفضلة على مقاس البلد وشعبها، وليس على مقاس الطبقة الحاكمة، وبالتالي فهي غير قابلة للمساومة أو المزايدة أو التلاعب بها بأي حال من الأحوال.
3
لسنا هنا بصدد الحديث عما هو معلوم بالضرورة من النظريات والأدبيات المتعلقة بالأمن القومي للدولة، ومقوماته وتحدياته، ولا عن عناصر قوى الدولة الشاملة المعروفة، مما تذخر به دراسات العلاقات الدولية، والعسكرية، والأمنية. وبالتالي ليس المقصود اقتراح وصفة ما، بل الغرض من هذا المقال التنبيه لاستمرار وجود هذا الخلل الوجودي البيّن وغيابه عن أجندة الدولة، والحكم، والفضاء السياسي العام، وهو ما لا يُرجى معه تغيير حقيقي نحو الأفضل.
4
كان الظن أن هذه الحرب بتبعاتها وتداعياتها التي لا تزال تشكل خطراً وجودياً على الدولة والمجتمع، سبباً كافياً للانتباه إلى أن الأولوية عند الجميع يجب أن تنصرف إلى هذه المسألة تحديداً وحلها، بدلاً من عدم الاتعاظ والاعتبار من هذه التجربة المريرة، حتى لا تجد البلاد نفسها لا تزال تقف في المربع نفسه، جدالاً بيزنطياً حول موضوعات انصرافية بامتياز، على الرغم من استخدام عبارات مفخخة عن الحوار السياسي السوداني واشتراطاته وهلم جرا، والتي لن يلبث أن ينكشف قناعها حين تنجلي في نهاية الأمر عن الوصفة المكررة المجربة ذاتها في الساحة السودانية عند كل منعطف، مجرد مساومات بين النخب المتصارعة على السلطة، عسكرية ومدنية، خالية المضمون، منخفضة السقف، لحمتها وسداتها عقد صفقات لاقتسام السلطة والثروة لا تلبث أن تنقض عند أول سانحة.
5
صحيح أن البلاد تواجه عدواناً أجنبياً، لكن ذلك وحده لا يكفي لتشخيص أزمتنا الوطنية المستدامة، وصحيح أن درء العدوان هو واجب الوقت وتحقيقه شرط لازم، ولكنه مع ذلك لا يعني بالضرورة أنه سيفضي لحل تلقائي للمأزق الوجودي للدولة السودانية في ظل غياب نظرية للأمن القومي بأبعادها واشتراطاتها المختلفة قادرة على تحقيق المصالح العامة للدولة وللشعب، وليس مجرد الاستجابة للنخب الأعلى صوتاً الساعية لحجز مقاعدها في لعبة السلطة والثروة، تحت راية شعارات رنانة، دون هدى ولا كتاب منير، تندب نفسها لاحتكار الحديث باسمه بلا تفويض.
6
الشاهد هنا أن من يتابع ما هو مطروح في الساحة، من مبادرات وتحركات داخلياً وخارجياً بشأن المستقبل السياسي للسودان لا يجد في أجندتها ما ينبئ بأن هناك جديداً لم تتم تجربته من قبل، وأثبت فشله الذريع المرة تلو الأخرى مراراً وتكراراً بلا عظة ولا عبرة، وإلا لما وجدنا أنفسنا ننزل حقبة بعد حقبة، وتتغير الوجوه، وتتغير الأنظمة، ويزداد حال البلد ضغثاً على إبالة، ومع الإصرار على تجريب المجرب لا يزال هناك من يعتقد أنه لن تحيق بنا الندامة مجدداً، بلا زاد من حكمة التعلم من الأخطاء المتكررة.
7
يبدو حال السودان بدعاً من الأمم، فما من أمة جربت كم من المحاولات الفاشلة لتحقيق معادلة للاستقرار والنهوض، بدعاوى شتى، مثلما شهد السودان، فعلى مدار ثلاثة وسبعين عاماً منذ العام 1953 عند تنصيب أول سلطة للحكم الذاتي وحتى يوم الناس هذا، عرف السودان خمس انتخابات حزبية تعددية، وأربع أنظمة عسكرية، وثلاث انتفاضات شعبية، وخمس فترات انتقالية، وما لا يحصى من اتفاقيات السلام، واتفاقات بين أنظمة عسكرية وقوى حزبية معارضة، ومع ذلك لم ينجح أيام من هذه التجارب في تحقيق معادلة الاستقرار المنشودة، وبقيت الحقيقة الوحيدة هي استدامة الدوران في الحلقة المفرغة، أو ما يعرف في أدبيات السياسة السودانية بـ “الدورة الخبيثة”.
8
بالطبع سيدور جدل ساخن هنا عمن يتحمل المسؤولية في استمرار هذه الحالة المستعصية من فشل بناء الأمة والدولة، من قائل إن الأنظمة الشمولية التي أعقبت الانقلابات العسكرية هي المسؤولة عن ذلك وقد لبثت السلطة في قبضتها لأكثر من نصف قرن، ومن قائل أن الانقلابات العسكرية ما كان لها أن تحدث لولا تواطؤ قوى سياسية متنافسة على السلطة لم تصبر على دفع استحقاقات الممارسة الديمقراطية ومعالجة صراعاتها ضمن إطارها، فلجأت إلى الوسوسة إلى عسكريين لحسم صراعاتها بالقوة ظناً أن ذلك سيؤمّن لها نصيباً في كيكة السلطة، قبل أن تفاجأ بطموح أصحاب البندقية في الاحتفاظ بالكيكة كاملة، فيصحوا ضحايا سوء الطوية. ومن قائل إن العهود العسكرية ما كان لبقائها أن يطول في السلطة لولا أن هناك أحزاباً سياسية كانت دائماً مستعدة للتحالف مع الأنظمة الشمولية ذاتها عندما يعييها النضال وينفد صبرها فتسارع إلى الانضمام إلى ركبها.
9
على أي حال لست هنا بصدد تحليل أسباب استدامة متلازمة “الدورة الخبيثة”، بل في التأكيد على أن النمط المتكرر لظاهرة “انتخابات، انقلاب، انتفاضة، فترة انتقالية، انتخابات” وتظل تتكرر بالنمط نفسه لثلاث مرات على مدار سبعة عقود، فهذا يكشف بوضوح عن وجود “خلل بنيوي” في تركيبة الذهنية السياسية للفاعلين يجعل ما يفترض أنه ظاهرة عابرة، هو في الواقع نمط ممتد للسلوك عابر للقوى السياسية على امتداد طيفها، وبدلاً من العكوف على تشخيص سليم لهذه المتلازمة، ووصف العلاج الناجع لها، غلبت عليها شهوة “لعبة التلاوم”، مشغولة بالبحث عن مشجب لتعليق الأخطاء عليه، هروباً من مواجهة الذات بنقد موضوعي عن تحمل كل نصيبه من المسؤولية في استدامة هذه الحلقة المفرغة، لذلك يعاد تدويرها، غير آبهة بالحالة الأطراف السياسية التي أدمنت الاكتفاء بـ “الشكوى” على حساب تناول الدواء الناجع مهما كان مراً.
10
والحال هذه فهل يمكن الخروج من هذا المأزق التاريخي الدوار بدون كسر قيد هذه الحلقة الخبيثة، والخروج من أسرها للانطلاق نحو أفق جديد؟ وما علاقة ذلك بتعريف مصالح السودان الاستراتيجية، وتأسيس نظرية للأمن القومي السوداني لتشكل عصب أي جهود جدية لرسم مستقبل آمن ومستقر لأجيال قادمة من الشعب السوداني، الذي ظل حقلاً لتجارب صراعات سياسية عبثية، ووحده من ظل يدفع الثمن الحقيقي لمغامرات ومقامرات نخب لم تنس شيئاً ولم تتعلم شيئاً، وما هي استحقاقات تحرير الشعب من ربقة التجارب الفاشلة، هذا ما نرجو أن نتناوله إن شاء الله في مقالات قادمة.
▪️بالتعاون مع صحيفة ” ايلاف “

