
تكمن عبقرية الأستاذ عبد الخالق محجوب رحمه الله 1928 ـ 1971 في تميزه منذ البداية على القيادة بقدرة فائقة، جعلت الحزب الشيوعي. السوداني حزبا شيوعيا من نوع مختلف عن عدد كبير من الأحزاب الشيوعية الأخرى في البلاد العربية والأفريقية والآسيوية.
(1)
رغم أن الحزب الشيوعي وقائده لنحو عشرين عاما توأمين بكل المعاني، إلا أن عبد الخالق محجوب لم يكن قائدا سياسيا للحزب الشيوعي وحسب، بل كان مثقفا عظيما، كان الأدب واحدا من بعض اهتماماته الثقافية.
وبحسبان أن استاذنا الجليل البروفسير عبد الله علي إبراهيم، يعتبر من أكثر المهتمين بالكتابة عن مقام عبد الخالق وقيمته، لكن بعيدا عن المناحات التي ظل يتحفنا بها الأستاذ الجامعي المخضرم في ذكر مناقب عبد الخالق منذ سنوات خلت، وذلك لأنها تفصح تارة عن ملامح لعبقرية عبد الخالق، وتارة أخرى تندب حظ وأمال الكاتب من تجاهل الحزب الشيوعي له.
(2)
مناسبة هذا الحسبان أن الكاتب الفذ والباحث المرموق عبد الله علي إبراهيم يعد الآن من أكثر السودانيين المؤهلين وسط الشيوعيين أو غيرهم للكتابة عن ما يمكن تسميته بـ (عبقرية عبد الخالق محجوب). وتأتي الأسطر السابقة في مقام العشم أن يهتم البروف عبد الله، لا سيما أن أستاذه الراحل أدرك مبكرا أنه اختار مع رفاقه (تأسيس حزب، يعد عنوانا ورمزا لحزب من نوع جديد في السودان). وكان عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار ما كان يسود في بلدهم من قوانين وتقاليد وعادات قبلية ومن تعدد أديان واثنيات).
(3)
إذا أقر البروفسيور عبد الله هذا العشم يصبح الحزب الشيوعي السوداني، حسب ما توصل إليه ماركسي عربي صميم هو كريم مروة (وليد شرعي للحركة الوطنية الاستقلالية، بل إن قادة الحزب قد اعتبروا أنفسهم، في المرحلة التي أعقبت حصول السودان على الاستقلال، أمناء على استكمال المهمات التي تبنتها تلك الحركة الريادية، والالتزام بأهدافها وبشعاراتها التي لا تقف عند الحصول على الاستقلال، بل تتعداه إلى تحقيق الحرية والتقدم للشعب السوداني).
(4)
أما أنا فقد عرفت أن عبد الخالق محجوب كان مثقفا عظيما، حين قال لي مؤرخ الحركة الوطنية السودانية البروفسير محمد عمر بشير رحمه الله في يونيو 1985 (عبد الخالق محجوب أول مثقف استخدم كلمة تنمية في الخطاب السياسي السوداني، وذلك في مطلع الخمسينيات قبل أن تسود عبارة الزعيم إسماعيل الأزهري الخالدة (التحرير قبل التعمير).
لم يكن عبد الخالق محجوب قائدا سياسيا للحزب الشيوعى وحسب، بل كان مثقفا أيضا، وكان الأدب واحدا من بعض اهتماماته الثقافية. وخلال سني دراسته فى القاهرة قام بترجمة كتاب (الأدب فى عصر العلم) للكاتب الإنجليزي المعروف هيمان ليفي.
(5)
رغم أن ليفي يعمل أستاذا للرياضيات في جامعة لندن، إلا أن موضوع الكتاب تناول النقد الأدبي، وقد ترجم عبد الخالق الكتاب وكتب له مقدمة عرّف فيها القارئ بالكتاب وبمؤلفه، وقدم فيها وجهة نظره في النقد الأدبي قديما وحديثا في السودان على وجه التحديد. وجاء في مقدمته (موضوع الكتاب، كما أشرت، هو النقد الأدبي. وهو موضوع ليس جديدا على قارئ اللغة العربية. لكنه أيضا جديد عليه. هو قديم إذا اعتبرنا إصدار الأحكام على القطعة الأدبية نثراً كانت أو شعرا نقدا أدبيا. فمثل هذا النقد عرفه العرب في جاهليتهم حينما كانوا يجعلون للشعر محكمين كالنابغة الذبياني.
(6)
النقد الأدبي قديم، إذا كانت أحكامه منشأة على مقاييس الصنعة الفنية وحدها، وإجادة اللغة. ولكنه جديد إذا اعتبرناه، كما هو واقع اليوم في الآداب الأجنبية، حيث جعلت له أصولا وقواعد متأثرة بالفكر الرشيد الذي ظهر بنمو العلم الحديث والصناعة الحديثة.
والنقد الأدبي، كما عرف عند العرب، تجاذبه المد والجزر. فكان يصل إلى درجات راقية ثم ينحدر، وهو في كل ذلك وثيق الصلة بالإنتاج الأدبي نفسه. فما عرفنا عهدا من عهود العرب ازدهرت فيه الآداب، إلا وانتعش النقد الأدبي وسبق الإنتاج وصار عاملا من عوامل قوته وعنصرا من عناصر تنميته).
(7)
مع شدة انغماس عبد الخاق في ينابيع الأدب الإنجليزي ، إلا أن الزمن السياسي الذي عاشه أبعده كثيرا عن مسار الأدب. وهناك من يجزم بأن عبدالخالق لو لم يكرس حياته لخدمة الاشتراكية وبناء الحزب الشيوعي في السودان، لأصبح أديبا يتعدى إسهامه حدود السودان . فقد تلازمت ملكته في اللغة والأدب الإنجليزي مع عناية فائقة باللغة العربية ودراسة الشعر العربي.
يقصد بالزمن السياسي هنا وتيرة الفعل أو الحركة في اتجاه قضية مقصودة، فالزمن على اختلاف أنواعه هو النبض الذي تقاس عليه أي حضارة.
ويرتبط الزمن السياسي بالمعنى المجرد من جهة والمتولد من معيشة الزمن أو العبرة من جهة أخرى، فالزمن السياسي عند عبد الخالق هو ثقل التجربة ودلالاتها في حياة الأفراد والأمم.
(8)
كانت أمدرمان في عشرينيات القرن الماضي مدينة صاخبة بلا سبب، مرحة بلا مناسبة، غالب بيوتها من طين تتنضح بالمودة بين جدرانها، وتنساب الحنية في خفوت متنقلة بين الزقاق والنفاج.
وكان أمير شعراء الأغاني التي عرفت لاحقا بـ (حقيبة الفن) عمر البنا يتسأل (أمتى أرجع لأمدر وأعودا)، ثم يجيب عن سؤاله (أشوف نعيم دينتي وسعودا).
إذا راجعت سيرة الناس القيافة في أمدرمان تلك الأيام، يبدو لك عبد الخالق محجوب عثمان صبيا غض الإيهاب أسمر الجبهة وسيما نشأ فى حلى السيد المكي، حيث تسكن الأسرة،
كانت طبول الطائفة الإسماعيلية وهي أول طريقة صوفية سودانية، تملأ الآفاق أمسية كل خميس تزدحم حلقات الذكر، وتقام فى حلقتهم كل عام، حولية العارف بالله الشيخ اسماعيل الولي. وقد استأثرت تلك المناسبات بقلوب المريدين.
(9)
كان أطفال الحي آنذاك ومن بينهم عبدالخالق أسعد الناس بهذه الأمسيات الروحية العامرة. كذلك كانت احتفالات المولد النبوي الشريف التي تمتد لاحد عشر يوما، بجامع الخليفة عبد الله. وهنا يتعين علينا أن نتساءل مع شقيقه الراحل محمد محجوب عثمان عن مدى التأثير التي خلفته النشأة الباكرة في مثل تلك الأجواء الروحية والاجتماعية على شخصية عبدالخالق في مستقبل أيامه، حيث انبرى لفهم مشكلات الوطن المستعصية وتقديم وتوفير بعض الحلول عبر نظرية عالمية جديدة غريبة عن واقع بلادنا. وكانت تبحث لها عن أسواق رائجة هنا وهناك.
(10)الحلول
حسب السيرة الذاتية، ولد عبد الخالق في أمدرمان يوم 23 سبتمبر 1927،
وسمي عبد الخالق على المأمور المصري عبد الخالق حسين الذي ربطته صلة صداقة بوالده.
بدأ عبد الخالق مسيرته التعليمية بخلوة الشيخ إسماعيل بجوار منزل الأسرة في حي المكي، وحفظ القرآن الكريم في التاسعة من عمره، حسب إفادة شقيقه المرحوم محمد محجوب عثمان، وتعلم مبادئ اللغة والنحو الواضح.
ومن ثم انتقل الى مدرسة الهداية الأولية وقد أسسها المربى الجليل الشيخ الطاهر الشبلي (والد نقيب المحامين الأسبق أمين الشبلي)، ومنها انتقل الى مدرسة أمدرمان الوسطى، المعروفة بالمدرسة الأميرية.
(11)
عرف عبد الخالق محجوب كقيادي بارز في الحركة الشيوعية العربية والسودانية. وكان صاحب حضور مؤثّر في المحافل الشيوعية العالمية.
ألّف عدد من الكتابات والتي تمحورت حول إيجاد صيغة سودانية للماركسية بدلا عن التطبيق الحرفي للتجربة السوفييتية أو الصينية، كما كان له موقف واضح من الخلاف السوفييتي – الصيني. رفض التبعية للحزب الشيوعي السوفييتي على النقيض من عدد كبير من الأحزاب الشيوعية الأخرى كما كان يرفض الربط بين مبدأ حرية العقيدة والإلحاد.
(12)
عارض عبد الخالق انقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969 لتعارضه مع مبدأ الديمقراطية الذي ظل يدعو إليه الحزب الشيوعي، ولكن لم يستطع الحصول على موافقة أغلبية السكرتارية المركزية للحزب لإدانة الانقلاب والذي حُسب على الحزب الشيوعي السوداني المشاركة فيه نظرا لتعيين عدد من كبار أعضاء الحزب في الحكومة التي شكّلها نظام 25 مايو.
وأدت معارضته لنظام 25 مايو 1969 إلى نفيه إلى مصر، لكن مصر جمال عبد الناصر أعادته إلى السودان. وسجن بعد عودته في مقر مصنع الذخيرة بمنطقة الشجرة في الخرطوم. لكن عبد الخالق هرب أو هرب من معتقله واختبأ في مقر الحرس الجمهوري بالقصر وبقي هناك إلى أن وقع انقلاب 19 يوليو 1971 بقيادة هاشم العطا.
(13)
كانت تداعيات هذا الانقلاب الفاشل قاسية جدا البلاد وعلى الحزب الشيوعي السوداني، إذ اكتفى في البداية بجملة مبهمة قال فيها (تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه). وبعد سنوات طويلة جدا من الحدث أصدر بيانا حمل فيه الضباط الشيوعيين مسؤولية الانقلاب دون أخذ موافقة الحزب. وتجاهل بيان الحزب تماما الحديث عن أي دور فعلي أو متوهم لعبد الخالق محجوب في ملابسات هذا الانقلاب. رغم أن عبد الخالق دفع حياته ثمنا بعد محاكمة إيجازية. ومازال الغموض يلف قصة هذا الانقلاب رغم تععد الروايات. على أن المهم هنا أن نقول أن الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل أورد في كتاب المعنون (زيارة جديدة للتاريخ) أن أحداث هذا تعد واحدة من عشرة أسباب أدت لتدهور العلاقات العربية السوفيتية.
(14)
هناك جوانب مهم في عبقرية عبد الخالق محجوب تتمثل في:
أ / تولى قيادة الحزب في العشرينيات من عمره، وكان يكثل الجناح الثوري المتشدد المنادي بتحويلحركة حستو إلى حزب شيوعي لينيني متكامل، على الرغم من ضعف الطبقة العاملة في السودان.
ب / أثرى المكتبة السودانية بتسعة كتب في مجالات مختلفة تدعم في مجملها خط عبد الخالق لبناء حزب للطبقة العاملة في السودان.
ج / نجح الأستاذ نور الهدى محمد صاحب دار عزة للنشر في طباعة هذه الكتب ونوزيها. وكان بصدد أعدة طبعها في مجلد واحد بعنون (عبد الخالق محجوب .. الأعمال الكاملة). وهذا جهد مطلوب ومرغوب بشدة.
د / هناك من ينتقد كتب عبد الخالق ويرى فيها ضعفا، خاصة كتابه (آراء وأفكار حول فلسفة الأخوان المسلمين)، باعتبار أن الكتاب لم يقدر ردا ماركسيا مقنعا، بل انزلق إلى خطاب اعتذاري مألوف.
(14)
ويبقى القول:
على المستوى السياسي عاش عبد الخالق محجوب حياة حافلة بالعمل والتجرد وترك أثرا كبيرا مازالت ظلاله تمتد في حياتنا السياسية.
وعلى المستوى الإنساني كان عبد الخالق محجوب أخا كريما، لطيف التعامل مع أسرته وأصدقائه العديدين.
ولكل هذا يتعين علينا أن نرصد تاريخه وندون أثاره حتى نحفظ له دوره في تطوير حياة أهل السودان.
وخير ختام رثاء الشاعر محمد الفيتوري لعبد الخالق محجوب بعد تنفيذ حكم الإعدام فيه:
لا تحفروا لي قبرا
سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس في حقول بلادي
فمثلي لا سكن قبرا


