الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

عودة الحكومة يحمل دلالات عظيمة

د. امجد عمر محمد



تُمثّل العواصم في وجدان الدول أكثر من مجرد مراكز إدارية أو تجمعات سكانية كبرى؛ فهي عنوان السيادة، ومرآة الاستقرار، وعصب القرار السياسي والاقتصادي. تاريخياً، كان سقوط العواصم إيذاناً بانكسار الدول، وكانت استعادتها دائماً إعلاناً عن عودة الروح إلى الجسد السياسي. فالعاصمة هي المكان الذي تتجسد فيه فكرة الدولة عملياً، ومنه تُدار شؤون الحكم، وتُصاغ السياسات، وتُقاس هيبة السلطة وقدرتها على بسط النظام وضمان الاستقرار.
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى عودة الحكومة ومؤسساتها إلى ولاية الخرطوم باعتبارها إجراءً إدارياً عادياً أو استجابة ظرفية، بل هي فعل سيادي مكتمل الأبعاد، يحمل دلالات عميقة في توقيته ومضمونه. فالخرطوم، التي حاولت الحرب أن تُخرجها من معادلة الحكم وتحوّلها إلى ساحة للفوضى والفراغ، تعود اليوم لتؤكد موقعها الطبيعي كمركز للدولة، لا كمسرح للصراع.
إن عودة مؤسسات الحكم إلى العاصمة لا تتم في لحظات الارتباك أو المغامرة، بل في لحظة تقدير استراتيجي دقيق للمشهد الأمني والسياسي. جاهزية المقرات، والانتقال الفعلي لعدد من الوزارات، واستكمال بقية الانتقال خلال فترة وجيزة، تعكس أن الخرطوم لم تعد ساحة حرب مفتوحة كما يُروَّج، بل أصبحت بيئة قابلة للإدارة والحكم واستعادة دورة الحياة. هذا التحول يشير بوضوح إلى انتقال الدولة من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة تثبيت السلطة وبناء الاستقرار.
ويزداد هذا التحول رسوخاً حين يُقرأ في سياق ما يجري على الأرض من خطوات عملية. إعادة ربط خطوط الكهرباء في معظم أنحاء الولاية، واستمرار العمل في ما تبقى منها، إلى جانب صيانة الطرق وإعادة تأهيل البنية التحتية، ليست تفاصيل فنية عابرة، بل شواهد سياسية واقتصادية واضحة. فالدولة التي تعيد الخدمات الأساسية وتستثمر في البنية التحتية لا تفعل ذلك وهي تتوقع الانهيار، بل وهي تستعد لمرحلة ما بعد الحرب، حيث يصبح الاستقرار قاعدة للحكم لا مجرد أمنية مؤجلة.
وينعكس هذا الواقع الجديد بصورة مباشرة على المواطن، الذي كان ولا يزال المتأثر الأكبر بالحرب وتداعياتها. فاستقرار العاصمة وتأمينها يعني أولاً استعادة الإحساس بالأمان، وهو الشرط الأساسي لأي عودة طوعية أو نشاط اقتصادي منتج. كما أن عودة مؤسسات الدولة تفتح المجال لخلق فرص عمل، وتنشيط الأسواق، وعودة الخدمات الصحية والتعليمية والنقل بشكل أكثر انتظاماً. هذه العودة تعيد تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وتخفف من أعباء النزوح والاغتراب القسري، وتمنح المواطن سبباً عملياً للتمسك بالبقاء أو اتخاذ قرار العودة. وفي هذا السياق، تصبح عودة الحكومة مقرونة بعودة شعبها، باعتبارهما مسارين متلازمين لا يكتمل أحدهما دون الآخر، مع مراعاة ظروف من تفرض عليهم ارتباطات ملحة في البلدان التي هاجروا إليها مؤقتاً.
الخرطوم في هذا المشهد لا تُستعاد جغرافياً فقط، بل تُستعاد سياسياً ومعنوياً. فالعاصمة ليست مجرد مبانٍ وطرقات، بل رمز لوحدة الدولة وتجسيد لسيادتها. ومن يفقد عاصمته يفقد جزءاً من شرعيته، بينما من يستعيدها فعلياً يعيد رسم معادلة الصراع بأكملها. وجود الدولة في الخرطوم اليوم هو إعلان هادئ بأن الرهان على إسقاط المركز قد فشل، وأن زمن فرض الوقائع بالقوة بدأ يتراجع لصالح منطق الدولة والمؤسسات.
كما أن هذه العودة تغيّر طبيعة الحرب نفسها. فالصراع الذي كان يهدد كيان الدولة من الداخل يتحول تدريجياً إلى ملف أمني يمكن احتواؤه ومعالجته، لا إلى حرب مفتوحة على العاصمة ومؤسساتها. وهذا التحول ينعكس مباشرة على المواقف الإقليمية والدولية، حيث تميل القوى الخارجية دائماً إلى التعامل مع الطرف القادر على الحكم من أرضه، لا مع سلطات مؤقتة أو مراكز قرار بعيدة عن الواقع.
وفي ختام هذا المشهد، لا بد من التوقف عند مدينة بورتسودان، التي أدّت دوراً وطنياً وتاريخياً بالغ الأهمية في واحدة من أدق مراحل الدولة السودانية. شكراً بورتسودان، التي احتضنت مؤسسات السيادة والحكم حين اشتدت المحنة، وكانت رمزاً للصمود والاستمرارية، حتى لحظة تسليم الراية مرة أخرى إلى العاصمة الخرطوم. ستبقى بورتسودان عروس البحر الأحمر، مدينة ذات إحساس متفرد في وجدان كل سوداني، بحراً وناساً، وشعباً محباً يلتف حوله الجميع، وشاهداً على أن السودان، مهما اشتدت عليه العواصف، يملك دائماً مدناً تنهض بدور الوطن حين يناديها الواجب.

اترك رد

error: Content is protected !!