هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

عقوبات مجلس الأمن بداية الطريق: المطلوب تثبيت نزع الشرعية لا إعادة تدوير المليشيا في تسوية سياسية!؟

السفير د. معاوية التوم

إن قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات على اربعة من قادة قوات الدعم السريع، وفي مقدمتهم محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم دقلو، لا ينبغي أن يُقرأ كخطوة رمزية في دفتر الإدانة الدولية، بل كبداية مسار جديد يعيد تعريف طبيعة الصراع وحدود التسوية الممكنة على هدى العدالة الدولية. المعززة بالسردية الوطنية عن حرب لعينة قاربت اكمال عامها الثالث بكل آثارها المدمرة التمرد ورعاتها ومآلاتها على المشهد.

لقد انتقل المجتمع الدولي من مساحة القلق والتوازنات الرمادية إلى مساحة تحميل المسؤولية السياسية والقانونية للتمرد . وهذه نقلة جوهرية تعني أن شرعية السلاح الموازي قد تعرضت لضربة مباشرة، وأن فكرة “التكافؤ السياسي” بين الدولة والمليشيا لم تعد قابلة للتسويق بالسهولة السابقة.لكن هذه الخطوة مهما بلغت أهميتها تظل بداية الطريق، لا نهايته.

أولاً. من الادانة إلى نزع الشرعية
في أدبيات الأمم المتحدة، تمثل العقوبات أعلى درجات الإدانة السياسية الممكنة دون اللجوء إلى تدخل عسكري مباشر. وإدراج أسماء بعينها يعني تحميلها مسؤولية قانونية وأخلاقية عن تقويض السلم والأمن وارتكاب انتهاكات جسيمة.
بهذا المعنى، انتقل المجتمع الدولي من موقع “المراقب القلق” إلى موقع “المُحمِّل للمسؤولية”. وهذه النقلة تعيد تعريف الصراع: لم يعد نزاعًا بين طرفين متكافئين، بل تمردًا مسلحًا تقوده جهات وشخصيات موضوعة تحت طائلة العقوبات الدولية.
وهنا تتغير معادلة الشرعية. فكل مسار سياسي لاحق سيجري في ظل اختلال واضح في ميزان الاعتراف الدولي، وهو تطور ينبغي عدم التقليل من أثره في حسابات المستقبل سيحدث أثراً مطلوبا في ارشيف هذه الحرب .

ثانياً. الرسالة الإقليمية المبطّنة
العقوبات لا تُقرأ فقط في إطارها السوداني الداخلي، بل في سياق إقليمي أوسع. فهي رسالة تحذير للداعمين المحتملين، رسميين كانوا أو شبكات عابرة للحدود، بأن الانخراط في دعم كيان مُدرج تحت عقوبات مجلس الأمن يضعهم في منطقة اشتباه قانوني وسياسي.
بهذا المعنى، هي محاولة لتجفيف البيئة الداعمة، أو على الأقل رفع كلفة الاستمرار في الإسناد. وإذا ما تم تفعيل آليات التتبع المالي وتقييد الحركة والسلاح، فإن الأثر لن يكون رمزيًا، بل عمليًا متراكمًا، يقود الي كفكفة موارد الدعم.

ثالثاً: الرسالة إلى القيادة السودانية
هذه لحظة تستدعي إعادة تموضع استراتيجي واعٍ. فالعقوبات تخلق بيئة سياسية مختلفة، وتمنح الدولة نافذة زمنية لإعادة توجيه مسار الحرب نحو نهاية منضبطة، لا نحو استنزاف مفتوح.
المطلوب ليس الاكتفاء بالاستفادة من الضغط الدولي على الخصم، بل تحويل هذا الضغط إلى:
• رؤية واضحة لإصلاح القطاع الأمني وتفكيك البنى الموازية.
• خطاب سياسي يؤكد حماية المدنيين ووحدة الدولة.
• إطار تسوية يُبنى على مبدأ نزع السلاح وإعادة الدمج وفق معايير الدولة، لا على تقاسم نفوذ تحت لافتة “الواقعية السياسية”.
إن إدارة اللحظة أهم من مجرد خوض المعركة. فالتاريخ لا يخلّد من يكسب جولات ميدانية، بل من يحسن توجيه نهايات الحروب.

رابعاً: الرسالة إلى الأطراف الدولية
إذا كانت العقوبات قد دشّنت مرحلة نزع الشرعية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في عدم التراجع عنها عبر بوابة التسويات المعجلة أو الضغوط المتناقضة.
إن أي محاولة لإعادة تدوير القيادات المعاقَبة في الدعم السريع او صمود او تأسيس في ترتيبات سياسية تحت شعار “البراغماتية” ستقوّض مصداقية القرار الدولي، وتبعث برسالة خطيرة مفادها أن حمل السلاح يظل طريقًا صالحًا لفرض الذات ثم التفاوض على المكافأة.

المطلوب من الشركاء الدوليين والإقليميين:
• تثبيت منطق المساءلة وعدم تخفيف الضغط قبل تحقق شروط واضحة.
• تجنب خلق مسارات تفاوض موازية تُضعف مبدأ نزع الشرعية.
• دعم عملية سياسية تُبنى على مؤسسات الدولة لا على مراكز القوة المسلحة.
فالسلام الذي يُكافئ المليشيا لا يُنهي الحرب، بل يؤجلها.

خامساً: بين الحسم والتسوية
العقوبات تعني أن ميزان الشرعية قد تحرك. لكنها لا تعني أن المعركة انتهت. بل قد تدفع الأطراف المعاقَبة إلى مزيد من التشدد في المدى القصير. وهنا تبرز أهمية الجمع بين الحزم العسكري والانفتاح السياسي المنضبط.
إن التحدي الأكبر هو منع تحول القرار الدولي إلى مجرد أداة ضغط ظرفية. فإما أن يُستثمر لتأسيس معادلة جديدة عنوانها: دولة واحدة، جيش واحد، وسلاح واحد تحت سلطة مدنية شرعية واعتراف بالقيادة الحالية؛
وإما أن يُفرغ من مضمونه عبر مساومات تعيد إنتاج الأزمة في شكل مختلف.

سادساً.إدارة النصر لا مطاردة المعركة
ثمة خطأ شائع في الحروب: حين يقترب أحد الأطراف من الحسم، ينشغل بتوسيع رقعة السيطرة بدل تثبيت شروط السلام.
العقوبات تعني أن المجتمع الدولي بات أقرب إلى تبني سردية الدولة في مواجهة المليشيا. لكن هذا القرب ليس تفويضًا مفتوحًا. بل هو مشروط بمدى التزام الدولة بحماية المدنيين، وضبط الأداء العسكري، وتهيئة أفق سياسي قابل للحياة.
ومن هنا، فإن إعادة التموضع الاستراتيجي تقتضي الانتقال من منطق “كسب المعركة” إلى منطق “توجيه نهاية الحرب”. وهذا لا يتم إلا عبر:
• توحيد الجبهة الداخلية السياسية.
• إطلاق مبادرة تسوية وطنية بشروط تحفظ وحدة الدولة وسيادتها.
• تحصين المسار القانوني والدبلوماسي لاستدامة الضغط الدولي على القيادات وتوسيع القاعدة الوطنية .

سابعاً. مخاطر التراخي أو الإفراط
إذا تعاملت القيادة مع العقوبات بوصفها نهاية الطريق، فقد تقع في وهم الاطمئنان، بينما الواقع أن الضغوط الدولية قد تتسع لتشمل أطرافًا أخرى إذا تعثرت جهود الحماية أو تصاعدت الانتهاكات.
وفي المقابل، إذا أُسيء استثمار اللحظة عبر تشدد غير محسوب أو إغلاق كامل لأفق السياسة، فقد يُعاد إنتاج سردية “الحرب المفتوحة بلا أفق”، وهو ما يُفقد القرار الدولي زخمه الأخلاقي.
التوازن الدقيق يكمن في الجمع بين الحزم والمرونة ، واستعادة هندسة المشهد الداخلي.

الخلاصة
عقوبات مجلس الأمن ليست انتصارًا بحد ذاتها، لكنها فرصة استراتيجية نادرة.وقد تحمل ايضا نذراً إذا ما استغلتها الأطراف المعادية للاحاطة ببعض قادة الجيش الوطني في سياق الطرفانية المجحفة التي تمارس لاعتبارات تكتيكية، وقد بدت تمظهراتها في اكثر من مسار .

العقوبات فرصة للقيادة السودانية لإعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه نهاية الحرب نحو استعادة الدولة لا مجرد إنهاء التمرد والبناء الوطني.
وهي في الوقت نفسه اختبار لجدية المجتمع الاقليمي والدولي: هل يمضي في تثبيت نزع الشرعية، أم يتراجع تحت ضغط تعقيدات السياسة؟
إن الطريق إلى السلام لا يمر عبر إعادة تدوير المليشيات في السلطة، بل عبر تفكيك منطق السلاح خارج الدولة.
وإذا كانت العقوبات قد وضعت قدمًا على هذا الطريق، فإن المسؤولية الآن داخليًا وخارجيًا ، هي أن تمضي الخطوة قُدمًا، لا أن تُسحب تحت عنوان التسوية .
التاريخ لا يمنح الدول فرصًا كثيرة لإعادة كتابة مسار الحروب. وهذه واحدة منها.
فإما أن تُدار اللحظة بعقل الدولة ورؤية المستقبل، فتتحول العقوبات إلى مدخل تسوية بشروط وآليات وطنية داخلية تعزز سيادة البلاد ؛
وإما أن تُترك لتذوب في ضجيج المعارك، فيطول أمد النزيف. والخيار هذه المرة في يد القيادة.
…..،،.،،..،،،،،،،
٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!