الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

عدم الاعتراف بالكيانات الموازية مقدّمة لانتهاء الحرب في السودان

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

لم تكن التصريحات الأخيرة الصادرة بالأمس عن الدوائر الأمريكية والمصرية والسعودية بشأن السودان مجرد مواقف دبلوماسية عابرة، بل عكست تحوّلًا نوعيًا في مقاربة الأزمة السودانية، يقوم على مبدأ واضح وحاسم يؤكد أن الدولة لا تُدار بكيانات موازية، وأن الحروب لا تنتهي مع تعدد مراكز الشرعية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الموقف الأمريكي المعلن على لسان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بوصفه حجر الزاوية في إعادة ضبط مسار الحرب، لا عبر إدارة النزاع، بل عبر تجفيف مصادره السياسية والرمزية.

إن تصريحات مسعد بولس ما هي إلا عملية لتثبيت الشرعية ونزع الغطاء عن الفوضى،
فحين يؤكد بولس بوضوح أن الولايات المتحدة لا تعترف بكيانات موازية في السودان، وأن هناك حكومة سودانية معترفًا بها يتم التعاطي معها دون مساواة بينها وبين الطرف الآخر، فإننا أمام موقف يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية إلى إعلان سياسي-قانوني ذي تبعات مباشرة.
هذا التصريح يضرب في العمق إحدى أخطر أدوات إطالة الحرب وهي شرعنة الأمر الواقع. فالاعتراف – أو حتى التعايش الرمادي – مع كيانات موازية، عسكرية كانت أم مدنية، يفتح الباب لتحويل الصراع من نزاع مسلح مؤقت إلى تفكك بنيوي دائم للدولة. وبذلك، فإن الموقف الأمريكي لا يعزل المليشيا عسكريًا فقط، بل ينزع عنها أمل التحول إلى كيان سياسي معترف به مستقبلًا، وهو ما يُعدّ ضربة استراتيجية لأي مشروع حرب طويلة الأمد.

كذلك فإن الموقف السعودي ماهو إلا انسجام لهذه الرؤية ووحدة مع تلك المقاربة، حيث يتطابق هذا الموقف مع ما صدر عن نائب وزير الخارجية السعودي وليد بن عبدالكريم، الذي شدّد في تصريحاته الأخيرة على رفض أي مسارات تفضي إلى تقويض الدولة الوطنية أو القفز فوق مؤسساتها الشرعية. فالسعودية، التي راكمت خبرة مؤلمة مع ظاهرة الكيانات الموازية في الإقليم، تدرك أن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف الصارم بالدولة، لا من تدوير المليشيات.
وهنا تتكامل الرؤية السعودية مع الأمريكية التي تتجه نحو أنه لا تسوية مع تعدد الحكومات، ولا استقرار مع ازدواج السلاح، ولا سياسة مع منطق العصابات وإشاعة الفوضى. وهو ما يضع أي محاولة لتسويق مشاريع “حكومات بديلة” خارج السياق الواقعي والسياسي المقبول إقليميًا ودوليًا.

المؤكد أن فكرة الكيانات الموازية تظل فكرة مدمّرة للدولة، والكيانات الموازية – سواء كانت قوات مسلحة، أو جماعات مدنية مُسيّسة، أو حكومات مُعلنة من خارج مؤسسات الدولة – تمثل أعلى درجات التهديد الوجودي للدول الهشة. فهي
تُفكك احتكار الدولة للعنف المشروع، وتُربك المرجعيات القانونية والدستورية، كما تُحوّل الصراع من سياسي قابل للحل إلى نزاع هوياتي-سلطوي مفتوح.
وفي الحالة السودانية، تَحوّلت هذه الكيانات من أدوات ضغط مؤقتة إلى مشاريع بديلة للدولة نفسها، وهو ما يفسّر حجم الخراب والانقسام.

ومليشيا الدعم السريع، تمثل و بشكل كبير النموذج الصريح و المثال الأوضح للكيان الموازي، ليس فقط لأنها قوة مسلحة خارج بنية الجيش، بل لأنها سعت – بدعم إقليمي معروف – إلى التحول من مليشيا إلى دولة داخل الدولة. وقد بُني مشروعها على فرضية خاطئة مفادها أن الزمن والوقائع الميدانية كفيلة بفرض الاعتراف.
إلا أن الموقف الأمريكي الأخير يُعدّ إعلانًا ضمنيًا بفشل هذا الرهان، ورسالة واضحة بأن لا مكان في النظام الدولي الحديث لقوى مسلحة غير نظامية، مهما بلغ حجمها أو امتد نفوذها.

في السياق نفسه، تأتي ما عُرفت بحكومة تأسيس كمثال سياسي للكيان الموازي. فقد حاولت هذه الصيغة تقديم غطاء مدني لمشروع عسكري، متجاهلة أن الشرعية لا تُصنّع في المنصات الإعلامية، ولا تُستورد عبر شبكات الضغط، بل تُستمد من الدولة ومؤسساتها القائمة.
ومع التصريحات الأمريكية والسعودية، يصبح واضحًا أن الاعتراف بحكومية تأسيس قد سقط وسقط معه وهم الشرعية البديلة قبل أن يولد، وأن المجتمع الدولي تجاوز هذه الصيغة باعتبارها جزءًا من الأزمة لا مدخلًا للحل.

و فيما يبدو و من هذه المواقف (الامريكية، السعودية والمصرية) المعلنة؛ أن الأمر ينحو لتثبيت واقع نزع الغطاء عن كل ما عدا الدولة القائمة، ويمتد هذا المنطق ليشمل أيضًا عدم الاعتراف الضمني بأي حكومات مدنية موازية أو رموز سياسية سابقة حاولت الادعاء بامتلاك شرعية بديلة، بما في ذلك أي محاولات لإحياء صيغ انتقالية من خارج الواقع القائم، مثل حكومة عبدالله حمدوك. فالمعادلة الجديدة باتت واضحة،
فلا شرعية إلا للدولة القائمة، ولا مخاطَب معترفٌ به إلا الجيش القائم، ولا مسار سياسي إلا عبرهما.

وفي السياق نفسه، برز في وسائل خلال اليومين الماضيين ما يعزّز هذا الاتجاه عمليًا، مع ترشّح أخبار تفيد بقيام مدير عام جهاز الأمن والمخابرات العامة الفريق أول محمد ابراهيم مفضل بزيارة إلى الولايات المتحدة، لبحث عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك على رأسها قضايا مكافحة الارهاب. وبغضّ النظر عن تفاصيل الزيارة أو جدول أعمالها، فإن دلالتها السياسية لا يمكن تجاهلها؛ إذ تمثّل في جوهرها اعترافًا عمليًا بالشرعية القائمة، وتعاطيًا مباشرًا مع مؤسسات الدولة السودانية بوصفها الجهة السيادية المخوّلة، وهو ما يشكّل ضربة سياسية إضافية لمشاريع الخصوم القائمة على نفي هذه الشرعية أو تجاوزها.
وتكتسب هذه الخطوة دلالة أعمق إذا ما قُرئت بالتوازي مع قيام الولايات المتحدة مؤخرًا بتصنيف عدد من جماعات الإخوان المسلمون في دول مختلفة كجماعات إرهابية، دون أن يكون السودان ضمن هذا التصنيف، وهو ما يبعث برسائل واضحة في بريد أكثر من جهة: مفادها أن واشنطن تميّز بين الدولة ومؤسساتها من جهة، وبين الجماعات والتنظيمات العابرة للدول من جهة أخرى، وأنها لا تتبنى مقاربات التعميم أو العقاب السياسي الجماعي، بل تنطلق من منطق الدولة الشرعية والتعامل المؤسسي المباشر معها.

هاهي المسارات تؤكد تلاقي المواقف ما بين القاهرة والرياض وواشنطن على خط واحد. ويتجلّى هذا التحول بوضوح في الموقف المصري الذي عبّر عنه وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بتأكيده دعم وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، ورفض أي مسارات تُضعف الدولة. وهكذا، نلحظ تلاقيًا استراتيجيًا بين مصر التي تعمل على حماية الدولة الوطنية ومنع التفكك، والسعودية التي تنشد رفض المليشيات وتجارب الفوضى، والولايات المتحدة التي تستهدف تثبيت الشرعية وتجفيف بدائلها. وهذا التلاقي ليس ظرفيًا، بل يعكس قراءة مشتركة لمآلات الإقليم.

وفي هذا السياق الإقليمي، لا يمكن فصل هذه المواقف عن مجمل التطورات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث بدأت مشاريع الهيمنة عبر الوكلاء والمليشيات تفقد زخمها. وقد تزامن ذلك مع تراجع واضح للدور الإماراتي في عدد من الساحات، بعد انكشاف كلفة الاستثمار في الكيانات الوظيفية المسلحة، سياسيًا وأخلاقيًا واستراتيجيًا.

إن عدم الاعتراف بالكيانات الموازية ليس مجرد موقف قانوني، بل هو إعلان بداية النهاية لحرب السودان. فحين تُسحب الشرعية عن المليشيا، ويُغلق الأفق أمام الحكومات البديلة، وتُحصر السياسة في إطار الدولة، يصبح السلام ممكنًا لا بوصفه هدنة مؤقتة، بل بإعتباره تسوية جادة ومنسقة مع حكومة السودان وقيادته العسكرية والسياسية.
وهكذا، يتضح أن الطريق إلى إنهاء الحرب لا يمر عبر تعدد الكيانات والمزايدات السياسية الفطيرة، بل عبر إعادة الاعتبار للدولة الواحدة، والشرعية الواحدة، والسلاح الواحد و احتكار العنف بالقانون. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يبدو أن المجتمع الدولي – أخيرًا – بدأ يقول و ينتبه لما كان يجب أن يُقال منذ اليوم الأول و لما كان يستحق ان يفعل منذ البداية.

الخميس 15 يناير 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!