
يرتكز النظام الدولي المعاصر على منظومة من المفاهيم والمبادئ التي تُوظَّف لخدمة مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. هذا النظام لا يقوم على العدالة أو احترام القانون الدولي كما يُروَّج له، بل على نظرية “المجال الحيوي”، التي ترى أن حدود الدولة لا تتوقف عند جغرافيتها، بل تمتد لتشمل كل ما تعتبره من مصالحها الحيوية، وعلى رأسها الموارد والثروات الطبيعية أينما وُجدت.
في هذا السياق، تعمل الولايات المتحدة اليوم على وقف نزيفها الاقتصادي من خلال تفكيك الأنظمة غير الموالية لها في دول الجنوب العالمي، لا سيما في أمريكا اللاتينية، بهدف السيطرة على موارد تلك الدول وتأمين سلاسل الإمداد من المعادن النفيسة والموارد الحيوية التي تحتاجها صناعاتها واقتصادها المتعثر. هذا التوجه يعكس تحوّلاً في أولويات واشنطن، حيث باتت ترى في السيطرة الاقتصادية وسيلة أكثر فاعلية من التدخل العسكري المباشر، مع الإبقاء على أدوات الضغط السياسي والاقتصادي كوسائل للهيمنة.
في المقابل، تتولى إسرائيل دور “الشرطي الإقليمي” في الشرق الأوسط ، حيث تركز على إخضاع الدول التي ترفض الانصياع لقواعد اللعبة الجديدة التي ترسمها واشنطن وتل أبيب معاً. ومن هنا نفهم تصاعد وتيرة الحروب في المنطقة العربية، من غزو العراق وتفكيك جيشه، إلى تدمير ليبيا، وإغراق سوريا واليمن في الفوضى، وصولاً إلى استهداف السودان، ومؤخراً الضغط المتزايد على مصر والجزائر. كل ذلك يتم تحت غطاء “مكافحة الإرهاب” أو “نشر الديمقراطية”، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح إسرائيل ويُقصي أي قوة صلبة قد تعيق مشروع الهيمنة.
أما الخطاب الأيديولوجي الذي يروّج له النظام الدولي بقيادة أمريكا، والذي يتغنى بحقوق الإنسان وسيادة القانون، فما هو إلا أداة ناعمة تُستخدم لشرعنة التدخلات وتبرير الانتهاكات. فحين تقتل الولايات المتحدة المدنيين في حروبها، يُبرَّر ذلك بأنه “دفاع عن النفس”، بينما تُوصم مقاومة الاحتلال أو رفض الهيمنة بالإرهاب. كذلك، يُغضّ الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في فلسطين، وحصار غزة، وجرائم الحرب، بحجة حماية أمن إسرائيل.
هذا الواقع يكشف أن الولايات المتحدة تضع نفسها فوق القانون الدولي، وتُعيد تشكيل موازين القوى العالمية بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل. أما العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، فتبقى مجرد شعارات تُستخدم لتجميل وجه نظام عالمي نَفعي، طفيلي، منحاز للأقوياء، ويُمعن في تهميش الأغلبية الساحقة من شعوب العالم، التي ترزح تحت وطأة الفقر والتبعية.
إذن ما يحدث في السودان حالياً يُعد ترجمة عملية لسياسات النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يُستخدم السودان كساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية، وتفكيك ما تبقى من بنى الدولة الوطنية في المنطقة. فالسودان، الذي كان يُعد أحد أعمدة القوة الصلبة في إفريقيا والعالم العربي، يتعرض اليوم لحرب داخلية مدمرة تُغذى بصراعات إثنية وعرقية، وتُدار من خلف الستار بأدوات خارجية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي بما يخدم مصالح القوى الكبرى.
إذن، هو نظام يخلق الأزمات ثم يتدخل لحلها وفقاً لشروط تحقق له مكاسب استراتيجية واقتصادية ضخمة، دون أن يُلقي بالاً للخسائر البشرية والمآسي الإنسانية التي تتكبدها الشعوب. لقد أصبح تفجير الأزمات الداخلية، خاصة الإثنية والعرقية، أداة مركزية في استراتيجية الهيمنة، حيث تُستخدم لتقويض الأنظمة الرافضة للانصياع، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وإعادة تركيبه بما يتماشى مع مصالح القوى المهيمنة.
في السودان، كما في غيره من الدول المستهدفة، تُستخدم هذه الأزمات كمدخل لإعادة هندسة الدولة والمجتمع ، وتسهيل السيطرة على الموارد، وإزاحة أي قوى وطنية قد تعرقل مشروع الهيمنة. وهكذا، تتجلى بوضوح معالم نظام دولي لا يعترف إلا بمنطق القوة والمصلحة، ويضع نفسه فوق القانون، ويُعيد رسم خريطة العالم وفقاً لمقاييسه الخاصة، بينما يواصل تسويق شعارات زائفة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
٥ يناير ٢٠٢٦ م



