الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

سلفقية الدولة في السودان: من التمكين الزائف إلى اختلال البنية المؤسسية.

محمد الحاج

في المشهد السوداني، الذي اتسم خلال العقود الأخيرة بتقلبات سياسية واقتصادية حادة، برزت ظواهر إدارية وسلوكية تعكس اختلالًا عميقًا في بنية الدولة، من أبرزها ما يُصطلح عليه شعبيًا بـ”سلفقية الدولة”. هذا المفهوم لا يُحيل إلى مرجعية دينية أو فكرية، بل يُستخدم لوصف نمط من التمكين الإداري والسياسي القائم على الولاء الشخصي لا على الكفاءة، حيث تُمنح المناصب الحساسة والامتيازات الكبرى لأشخاص تربطهم علاقات مباشرة بمراكز النفوذ، دون اعتبار للخبرة أو التأهيل.

في السياق السوداني، تجسدت هذه الظاهرة في حالات متعددة، لعل أبرزها تجربة الفريق طه عثمان الحسين، الذي برز في عهد النظام السابق كأحد أكثر الشخصيات نفوذًا، رغم الجدل الواسع حول مؤهلاته ومسارات صعوده. فقد شغل مناصب سيادية بالغة الحساسية، وتحوّل إلى مركز قرار فعلي، متجاوزًا في كثير من الأحيان المؤسسات الرسمية، ما جعله رمزًا لما يُعرف بـ”السلفقة المؤسسية” التي تتجاوز الأطر القانونية والإدارية لصالح شبكات الولاء الشخصي.

هذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد لتطال بنية الدولة نفسها، حيث تُعاد صياغة المؤسسات لتخدم مصالح محددة، وتُطوّع القوانين لتبرير ممارسات تفتقر إلى الشفافية والمساءلة. في هذا السياق، تُمنح العقود الحكومية والمشاريع الكبرى لأشخاص أو كيانات ذات صلة مباشرة بدوائر القرار، دون المرور بمسارات التنافس العادل أو التقييم الموضوعي. كما يُقصى أصحاب الكفاءة والخبرة، ويُهمّش دور المؤسسات الرقابية، ما يفتح الباب واسعًا أمام الفساد المنظم.

النتائج المترتبة على هذا النمط من الإدارة كارثية على المدى البعيد. إذ يؤدي تغييب الكفاءات إلى تراجع الأداء المؤسسي، وتآكل ثقة المواطن في الدولة، وتكريس ثقافة الانتهازية على حساب العمل الجاد. كما تُصبح الدولة رهينة لمراكز نفوذ غير خاضعة للمساءلة، ما يُضعف قدرتها على الاستجابة للتحديات، ويُهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

لكن المفارقة الكبرى أن السودان، رغم هذه التحديات، يزخر بإمكانات هائلة تؤهله لأن يكون من بين الدول المتقدمة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لبناء دولة مؤسسات تخدم شعبها وتحافظ على مواردها. فالسودان يمتلك ثروات طبيعية ضخمة، من أراضٍ زراعية خصبة، وموارد مائية وافرة، واحتياطات معدنية ونفطية، فضلًا عن موقع جغرافي استراتيجي يربط بين إفريقيا والعالم العربي. كما يتمتع برأسمال بشري واعد، قادر على الإبداع والمساهمة في نهضة وطنية شاملة، إذا ما أُتيحت له الفرصة في بيئة عادلة ومحفزة.

مواجهة “سلفقية الدولة” في السودان تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بإعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة في التعيين، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة، وتمكين المؤسسات الرقابية من أداء دورها باستقلالية. كما يتطلب الأمر مراجعة شاملة لمنظومة القيم الإدارية، بما يضمن أن تكون الدولة أداة لخدمة المصلحة العامة، لا منصة لتوزيع الامتيازات على أساس الولاء.

إن ما جرى في السودان ليس استثناءً، بل هو نموذج صارخ لما يمكن أن تؤول إليه الدولة حين تُختزل في أشخاص، وتُدار بمنطق العلاقات لا المؤسسات. والتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كشف هذه الممارسات، بل في بناء منظومة بديلة تُعلي من شأن الكفاءة، وتُرسّخ دولة القانون، وتُعيد الثقة في أن النجاح في الفضاء العام لا يُبنى على القرب من السلطة، بل على الجدارة والاستحقاق. فالسودان لا تنقصه الموارد، بل تنقصه الإدارة الرشيدة، والرؤية الوطنية التي تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.


١٠ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!