
أرغمت يا موتُ أنوف القنا *** ودست أعناق السيوف الحداد

✍🏼 المسلمي البشير الكباشي
إهتزّ كياني وشلّ مني التفكير حين دهمني فجر الأمس نبأ انتقال اخينا الأعز دكتور سيف الدين محمد أحمد إلى الدار الآخرة في القاهرة التي قبر بها ..
وانداحت الذكريات ،وقد كان مفتتحها قدومي من الخليج بعد حين من الزمن لم يتعد السنوات الست .وقد مضى على حكم الإنقاذ ثلاث سنوات ،قادتني قدماي إلى مركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم ، وقد انشغلتُ في ذلك الزمان بالاستراتيجية ودراسات المستقبل بعدما فتح في عقلي ذلك باكراً أستاذنا وصديقنا الدكتور محمد وقيع الله حين أهداني ونحن بالجامعة كتاب المفكر الأمريكي زبغينو بريجنسكي ،مستشار الأمن القومي الأمريكي على أيام جيمي كارتر المعنون ( بين عصرين —امريكا في القرن التكنتروني ) .
استقبلني الصديق د. أسلم بشير الذي كان مديراً ادارياً للمركز حينئذٍ ،ليعرفني على الدكتور سيف الدين محمد أحمد ،مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الذي رحب بي بعد بعض نقاش واختبار لاتجاهات التفكير ،ودعاني للانضمام للمركز ..
توليت إدارة المؤتمرات بالمركز ..وقد كان أهم من ذلك وأجل أن تعرفت على سيف الدين محمد احمد عن قرب .
سيف الدين ،سمتٌه مختلف ،هادئ ،بسيط ،مستغرق دائما في فكرة ..
انشغل في تلك السنوات بمشروع (عملاق) ليس فقط في محتواه ،بل في فكرته التي نقلت التفكير الحكومي من اليومي اللاهث واللحظوي إلى الاستراتيجي ،فأنجز ما عرف وقتها (بالاستراتيجية القومية الشاملة )التي جمع لها 6000 عالماً وخبيراً لصياغة وجهة السودان في شتى المجالات من العام 1992-2002م ،و ذلك ما وجّه بوصلة الإنقاذ وأسس لمشروعاتها الكبرى التي تفاخر بها حين يحاط بها متهومة بالفشل .
وقد ظل سيف الدين مذ عرفته متوطناً في صومعة التفكير ،مستغرقاً في دقيق الأفكار وعميقها ..واهباً حياته إلى ما اعتنق من معاني،مؤمناً بقدرة وطنه في بلوغ ذروة المجد ..
ذات مرة قدم لي ورقةً للنظر فيها إن كان عندي ما أضيفه ،كانت الورقة عن فكرة إنشاء وزارة للتخطيط الاجتماعي ، اتسمت بصياغة رصينة محكمة، لوزارة تهندس اتجاهات المستقبل الاجتماعي للبلاد ،ليس من باب أن تفكر الحكومة نيابة عن المجتمع ، ولكن من قبيل أن تفتح الحكومة للناس آفاق التفكير في مستقبلهم الاجتماعي ..بوضع النماذج والتعريف بالتجارب ،وإطلاق محفزات التغيير .
كان سيف واسع المنظار ،عميق النظر ،مشغولاً بإعادة تشكيل البنى والنظم الإجتماعية لتحقيق التحولات الكبرى من مجتمع (المخاطر واللايقين) إلى التغيير العميق في القيم والمؤسسات المجتمعية بما يرفع المجتمع فوق سلطة
الدولة لتتحقق استجابة موضوعية لاحتياجاته دون أن تهيمن الدولة على اتجاهات تطوره..
ولكنّ السلطة منفوخةً بقوة جبروتها ، وسطوة حكامها أجهضت كل أجنة كان الحلم أن تصبح وعوداً لوطن باذخ، فاستحالت الفكرة الباذخة إلى إعادة المُجرَّب ،فأصبح صبح تلك الأحلام عوداً على مساءاتها الوخيمة .
سيف الدين محمد أحمد ،الذي تخرج في الرياضيات من جامعة الخرطوم ،سرعان ما اكتشف مواهبه في التفكير والتخطيط السياسي الاستراتيجي فاحتقب ما خفّ و اتجه صوب الدراسات الاستراتيجية ، وتحليل السياسات ونال فيها درجة الدكتوراه من جامعة روتشستر بالولايات المتحدة الأمريكية . وعاد منها يبث وعي المستقبل ويزين وعوده .. كان مورد كل باحث عن فكرة ملهمة ، نجد عنده دقيق المعلومات ،وثاقب التحليلات ..في تواضع وبساطة وعمق ..لا يعرف الصخب ،ولا يناسبه الضجيج ، وليس من أهل الصياح والصراخ ،ترتخي الأذن لتتلقى المعرفة همساً كأنما يساررك بها وحدك .
حين ضربت الحركة الإسلامية داهيةُ الانفصال ،التي فصلت رأس الحركة عن جسدها ،اختار سيف الدين محمد أحمد الوقوف بصرامة وصلابة مع زعيم الحركة الشيخ حسن الترابي ،وظل مرابطاً ملازماً لاختياره إلى ان أتاه اليقين ..وكان ممن أضفوا على ذلك التكوين وزناً وقدراً ..
بالرغم من ذكاء حاد لازمه وصفاً وشهد به زملاؤه ومجايلوه ،وجهاد متصل ، وعقل خلاّق ،ودماغ كأنَّه ماكينة انتاج أفكار ،عاش سيف الدين فقيراً،ومات على ما عاش عليه في زمرة المساكين..كان عفيفاً متنزهاً عن عروض الدنيا ،نزيهاً عن مدّ العين إلى مترفات الحياة ،لم يشغل نفسه بما يشتهي الناس من رغد الحياة ،وبطر العيش، لم نره تياهاً فرحاً بشيئ من حطام الدنيا..
رحم الله سيف الدين محمد أحمد ،وجعل أعماله الصالحات جسراً إلى جنات فارهات ، وبارك فيمن خلَّف من بعده ، وألحقه بالصالحين وكتب له رفقة الاخيار .
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
المسلمي البشير الكباشي
الدوحة قطر في 11 مارس 2026م
الموافق 22 رمضان 1447 هجرية





