
mohed1618@gmail.com
لف حزن عميق ابناء وبنات واحفاد واسباط الامام عبد الرحمن المهدي وعموم ال الأمام المهدي النازحين الى مصر اثر وفاة الاستاذة رشيدة ابراهيم محمد عبد الكريم في القاهرة.
وكانت الراحلة التي قد شغلت حقيبتي الرعاية الاحتماعية والتعليم العالي (1986 — 1989). والفقيدة هي حفيدة الأمير محمد عبد الكريم فاتح سنار وسبطة الإمام عبد الرحمن المهدي (رضي الله عنه ونفعنا به).
ونعى حزب الأمة القومي القيادية البارزة في بيان صحفي قال فيه إن (الراحلة كانت من رائدات العمل النسوي والوطني في السودان، ومن الرموز اللواتي سطّرن أسماءهن في سجل النضال الوطني والتضحية من أجل الوطن).
وحسب البيان تقلدت الفقيدة عددًا من المناصب التنظيمية داخل الحزب، وأسهمت بإخلاص في تعزيز العمل المؤسسي والديمقراطي.
رحلت الأستاذة رشيدة إبراهيم التي
حلمت بأن تخلق من طفولة المتشردين شيئا مدهشا.
ما بين صرخة الميلاد في الابيض 1946 ولحظة الوفاة في القاهرة 2026 يمتد مشوار حياتها.
نشأت رشيدة في مدينة الأبيض حتى أكملت السنة الثانية الوسطى، وبعدها رحلت الأسرة إلى امدرمان وفيها مضت بها الأيام وسارت الحياة.
عام مضى على أكتوبر 1964 وثورته وفي عنفوان مد الأحداث التي تلتها وجدت رشيدة نفسها طالبة بكلية الآداب جامعة الخرطوم.
وبعد عام واحد من بداية (العهد البائد)؛ والاشارة هنا الى فترة حكم مايو 1969 – 1985. غادرت جامعة الخرطوم لتصبح موظفة في ديوان شئون الموظفين، وبعد عام واحد أيضا غادرت إلى إدارة التدريب القومي.
وفي إدارة التدريب أصبحت رشيدة موظفة عادية حتى أبتعثت 1974 إلى المملكة المتحدة حيث مكثت فترة تدريبية لمدة تسعة شهور عن التدريب.
بعدها بعثت لنيل درجة الماجستير ولكن أحداث العزيز المساحة في يوليو 1976 أدت إلى قطع بعثتها، ولم يكتفوا بقطع بعثتها إذ أردفوها بفصلها من العمل والتهمة عضويتها في اللجنة التنفيذية لإتحاد الطلاب السودانيين بالمملكة المتحدة وعملها وتعاونها المتواصل مع السيد الصادق المهدي رئيس الجبهة الوطنية آنذاك.
وعندما حلقت ملامح المصالحة الوطنية في أجواء الخرطوم سمح لرشيدة بالعودة للعمل وسمح لها بمواصلة الدراسة، ولكن الظروف كانت بالمرصاد لبعثتها إذ حدث تحول في برنامج الجامعة التي التحقت بها. وكان الاعتذار وضاعت فرصة الماجستير.
ثم لاحت في الأفق بوادر مشجعة لمواصلة الدراسة وتكللت بالنجاح حيث حصلت على الماجستير في الإدارة العامة من جامعة كلفورنيا 1981م.
وبعد الماجستير غادرت رشيدة إدارة التدريب لتعمل أستاذة بأكاديمية السودان للعلوم الإدارية حتى جاءت الانتفاضة في ابريل 1985.
وبعد الانتفاضة تركت رشيدة العمل الحكومي لتلتحق بإحدى المؤسسات الأمريكية التي تعمل في مجال تأهيل اللاجئين، وكان هذا العمل فرصة عظيمة لاكتساب معارف ومهارات جديدة، ولكن الأحداث التي تلت الغارة الأمريكية على ليبيا دفعت الأمريكان إلى تقليص أعمالهم، وكان نصيب رشيدة أن أصبحت بلا عمل بعد أن رحلت المؤسسة التي عملت فيها.
لم تدم فترة بقاء رشيدة بلا عمل حتى تم اختيارها وزيرة، ولا أتعرف هل راودها الحلم بأن تصبح وزيرة أم لا، لكن الذي قالته انذاك أن (دفتر أحلامي قد تضخمت صفحاته بعد أن تم التشاور معي حول هذا المنصب).
وتضيف (حلمت بأن أخلق من طفولة المتشردين شيئا جديدا مدهشا لا حدود لإبداعاته ولا يقتله الآخرون بحديث ممل أو كلمات أنيقات).
وتستطرد (حلمت باختفاء صورة المتشردين في أسمال بالية من شوارع الخرطوم، حلمت بزوال عادة إخفاء المعوق في ركن قصي من المنزل).
كانت أحلام رشيدة، كموظفة عادية، لا حدود لها. وكانت تراها ضرورية وأقل من الواجب وكانت كل أحلامها تطمح لتحقيق الحد الأقصى.
وعلى أرض الواقع كانت تتطور (نحن قطعا لا ندري مذاق الحلم، ولكن للحلم في الرعاية الاجتماعية طعم الرعونة ونكهة القتل فالمصلحة خلال ثلاثين عاما التي خلت منذ الاستقلال تبع إشرافها إلى 14 جهة مختلفة وتولاها 21 وزيرا.
مع كل هذه الأرقام في العمر والأشراف والوزارة فقد ظلت المصلحة تعمل بلا أهداف واضحة ولا برامج محددة، كوادرها غير محفزة أية خطط طويلة كانت أو قصيرة منعدمة تماما).
في واقع مثل هذا جاءت رشيدة وزيرة ولا تنسى أن السودان بلد فقير وموارده محدودة ويده مغلولة في الإنفاق الضخم الذي تتطلبه عملية الرعاية الاجتماعية.
من جانب آخر جاءت رشيدة إلى هذا الموقع القومي برغبة شعبية أيدت الحكومة التي تشارك فيها وفي عهد ديمقراطي تتقيأ تحت ظلاله وننتظر إيناع ثماره.
واقع مثل هذا يتطلب الطهارة والنزاهة والعفة والعمل لمصلحة الشعب ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.
الزكاة كما تعلمون تم فصلها من مصلحة الضرائب.م
أما مسألة التوفيق بين طرفي معادلة أن الزكاة مال معلوم يدفع لمستحقه الشرعي وإمكانية استغلالها في تمويل عملية الرعاية الاجتماعية. فهذه معادلة تصدت رشيدة لمعالجتها في مستويين، معلوم، قبل فصل الزكاة أن ثلاثة من مصارفها الشرعية، الرقاب، الغارمين، والمؤلفة قلوبهم، كانت تؤول لوزارة المالية.
أذن هي المصارف الثلاثة في المستوى الأول حسب اجتهاد رشيدة يمكن استغلالها كنوع من التكافل الاجتماعي الذي نسعى لإحلاله في حياتنا ولتوفير جزء من التمويل لعمليات الرعاية الاجتماعية.
وكان المستوى الثاني لمعالجتها يتطلب اجتهاد أهل العلم والسياسة حول أمكانية استخدام موارد الزكاة في عمليات الرعاية الاجتماعية.
ومن جانبها بذلت رشيدة الجهد في استشارة أهل العلم والأحزاب السياسية كافة، بالأخص الإسلامية لوضع اجتهاد عصري يحدد مصارف الزكاة الشرعية، ويبيح استخدام أموال الزكاة في توفير الرعاية الاجتماعية للمحتاجين إليها جميعهم.
كون رشيدة وزيرة وحيدة في مجلس وزراء به 24 وزيرا أمر لا يسبب لها أي حرج أو معاناة، ولعل مبعث هذا إنها تعودت منذ مطلع الصبا الباكر على هذا الوضع، ففي الجامعة، حيث يتم تقسيم الطلاب إلى مجموعات كان حرف أسمها الأول يضعها وسط زملاء فقط.
وعندما التحقت بديوان شئون الموظفين كانت البنت الوحيدة في المكتب، وكذلك الحال في بريطانيا وأمريكا ومجلس الوزراء السوداني بين عامي 1987 – 1989.
الحكاية أن رشيدة لم تشعر بأية غرابة لهذا الوضع، بل الحاصل إنها حصدت من هذا الوضع صداقات عميقة مع زملاء عدة باختلاف مراحل التقائها بهم.
وبالمقابل لم تشعر في أي لحظة من كل هذه المراحل بأنها عنصر مضايقة أو خجل أو حتى (حقنة) لهؤلاء الرجال الذين عملت معهم.
في الجانب الأخر من حياتها، تقول رشيدة (سأقصر الطريق عليكم فحقيقة: أنا لم أتزوج وقد تكون هذه المعلومة مبعث دهشة ومثار جدل في مجتمعنا السوداني، على الرغم من أن الإجماع الشعبي يقول إن الزواج قسمة نصيب).
وتضيف رشيدة (إجمالا فإن أسباب عدم زواجي بدأت يوم أن فقدت والدي وساعتها كنت في السنة الثانية الجامعية وكنت أجاوره لحظة الوفاة، وقد أوصاني بالاهتمام بإخوتي وعدم ترك الصلاة.
وبحمد الله أحافظ على الثانية وتطلب تنفيذ الأولى إلا أفكر مطلقا في الزواج.
ولم يكن الاقتران أحد همومي، بعد أن أصبحت المسؤولة عن إخوتي. وكان لابد من العمل لإعاشتهم، إذ أن ظروفنا الأسرية كانت صعبة جدا وتطلب عملي. وكنت أحسب أن الزواج لن يدعني أقوم بهذا الواجب).
وتستطرد رشيدة من جانب آخر (لاحظت أن كل الزيجات التي تمت في محيط أسرتنا قد شغلت المتزوج أو المتزوجة عن هم الأسرة الكبيرة وحصرته في همومه الخاصة، وكنت أخشي من انعكاس اقتراني سلبا على رعايتي لإخوتي).
وقد يثور سؤال عن غريزة الأمومة وهل راودتني؟ ولكن تجيب رشيدة (بعد اكتمال مهمتي واقتران إخوتي وجدت في أبنائهم ما يشبع غريزة الأمومة في أعماقي.
طبعا مع مرور الزمن أضحى موضوع الزواج بالنسبة لي أمرا غير ذي بال ولم أعد أفكر فيه كضرورة).
ولا تخفي رشيدة أستغرابها للذين يندهشون عندما يعرفون أنها غير متزوجة والمؤسف أن بعض الرجال يعتقدون أن غير المتزوجة متسيبة.
**
ألف رحمة ونور تنزل على قبر رشيدة فقد كانت قناعتها ان في الرعاية الاجتماعية مجال واسع للإسهام الشعبي بالكلمة الطيبة والمال الحلال والأفكار الوضاءة.



