
رحل عنا د. أحمد كمال الدين، فغاب عقلٌ قانوني رصين، وكاتبٌ مجيد، وأحد الأصوات الوطنية التي ظلت منشغلة بصدقٍ بالسودان وأهله، لا سيما في لحظاته المفصلية والعصيبة.
تعرفت عليه منذ سنوات عبر قروب وادي النيل، ثم توطد بيننا تواصلٌ مباشر في الخاص حول قضايا شتى، خاصة التطورات السياسية والمجتمعية التي أعقبت ثورة ديسمبر. وكان حضوره في النقاشات، العامة والخاصة، حضور العارف المتزن، والحكيم الباحث عن المخارج، لا عن الاصطفافات.
وفي سياق هذا التواصل، عرفني د. كمال الدين بتجربته الطويلة في العمل العام، وبمشاركته ضمن وفود مباحثات السلام منذ عام 1989، في أعقاب الانقلاب، وحتى استقالته من كل ارتباطاته الحكومية والصحفية في عام 1997، وهي تجربة عميقة صاغت رؤيته، ورسخت لديه قناعة راسخة بأولوية السلام، وبأن التوافق الوطني ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية.
منذ وقتٍ مبكر، وفي منتصف عام 2019، وقبل الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية وتشكيل الحكومة الانتقالية الأولى، كان منشغلاً عملياً بفكرة التوافق الوطني، فسعى إلى تجسيدها عبر مبادرته لتكوين هيئة حكماء السودان التى اقترح لعضويتها 82 اسماً من كل الأطياف السياسية والمجتمعية والاهلية، إيماناً منه بالحاجة إلى جسم وطني عاقل، متنوع في تخصصاته، مستقل عن الاستقطابات السياسية والأيديولوجية الحادة، يتمتع بالقبول العام والحياد الموجب، وينحاز للوطن أولاً، ليكون سنداً للبلاد وركناً شديداً يُلجأ إليه عند اشتداد الأزمات وتدلهمّ الخطوب.
كما شارك بفاعلية في النقاشات الفكرية والقانونية بقروب وادي النيل، لا سيما الحوار الواسع حول قوانين سبتمبر (قوانين الشريعة) مطلع عام 2020، الذي انخرطنا فيه معه بمشاركة عدد من أعضاء القروب، وكان خلاله مثالاً للحوار المسؤول، والحجة الهادئة، والانفتاح على الاختلاف، بعيداً عن الإقصاء والمكايدات.
ومع اندلاع الحرب في عام 2023، استمر تواصلنا منذ أسابيعها الأولى حول تداعياتها الكارثية، وكان حريصاً على إيصال الرأي وتوسيع دوائر الحوار. وما لا أنساه إصراره على ترجمته بنفسه لأول مقال كتبته بعد اندلاع الحرب، والمنشور في 4 يونيو 2023، إلى اللغة الإنجليزية، وكان بعنوان: «حرب أبريل: محطةٌ مفصليةٌ في سيرورةِ بناءِ الدولة السودانية!»، ثم نشره في منصات متعددة، إيماناً منه بأهمية أن يُسمَع الصوت السوداني خارج حدوده.
ولم تمضِ أسابيع حتى عاد ليُحيي فكرته الأولى عبر مبادرة التراضي الوطني الشامل، مؤكداً ثباته وصدقه في الدعوة إلى الوفاق. وما ميّز هذه المبادرة عن غيرها من المبادرات الكثيرة لم يكن التوقيت فحسب، بل المنهج؛ إذ اختار مقاربة غير مألوفة تقوم على البدء بما لا نريد قبل الاتفاق على ما نريد، على نهج كلمة الشهادة: لا إله إلا الله، ننفي ما لا نعتقد فيه أولاً ثم نذكر ما نعتقد فيه، على حد قوله.فبدل التزاحم حول الشعارات والرؤى، طرح السؤال الجوهري: ما هي الأسباب التي تعيق تحقيق الوفاق الوطني؟
وهو السؤال الذي ظللت أجد نفسي أكرره في نقاشاتنا؛ فالسودان، في تقديري، لا يعاني من انعدام الرؤى بقدر ما يعاني من حرب الرؤى، حيث تتنازع الفرقاء السياسيين تصورات متباينة، بينما تكمن الأزمة الحقيقية في المعوقات التي تحول دون التوصل إلى رؤية وطنية مشتركة. ومن هنا، كان تركيز د. كمال الدين على تشخيص هذه المعوقات خطوة جوهرية تضع اليد على أصل الداء، بدل الدوران حول نتائجه.
هكذا كان د. أحمد كمال الدين: متسقًا في فكره، ثابتاً في مواقفه الوطنية، منفتحاً على الرأي الآخر، ومؤمناً بأن إنقاذ الوطن يبدأ بالحكمة، وبالمنهج، وبالقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة قبل البحث عن الإجابات السهلة.
برحيله، فقدنا صوتاً عاقلاً في زمنٍ عصيب، وخسرت البلاد رجلاً نادراً في صدقه وتجرده.
رحم الله د. أحمد كمال الدين رحمة واسعة، وتقبله قبولاً حسناً، وجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته.
العزاء لأسرته الصغيرة والممتدة، ولأصدقائه ومحبيه، خاصة في قروب وادي النيل.
إنه فقدٌ كبير لا يعوض، والدوام لله والبقاء له وحده
الواثق كمير
تورونتو، 9 يناير 2026





