الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي قضايا

دكتور صلاح آل بندر يجيب علي الأسئلة الكبري حول تداعيات الإعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال

دكتور صلاح آل بندر

السؤال الاول: ما الدوافع السياسية والأمنية الاستراتيجية التي تمنع دول القرن الإفريقي عن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال؟

_________

الدوافع الاستراتيجية والأمنية تتلخص في طبقات متداخلة. أولاً في مفهوم منطق “سلامة الحدود” والخوف من سابقة الانفصال. فالقرن الإفريقي يعيش على توازن هشّ: نزاعات حدودية، وحركات مسلحة، وهويات عابرة للدولة. أي اعتراف بانفصال صوماليلاند يُقرأ كسابقة تُغري مناطق أخرى بالمطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي بالقوة أو الأمر الواقع. لذلك تتمسّك الحكومات الإقليمية بقاعدة أفريقية شبه مقدسة هي وحدة الدول الموروثة وحدودها وهو موقف كرّره الاتحاد الإفريقي في رفضه. هذه ليست مسألة “تعاطف مع مقديشو” فقط، بل تأمين ذاتي ضد عدوى التفكك.

ثانياً هنالك حسابات الأمن البحري والبحر الأحمر والخشية من “عسكرة” الاعتراف. صوماليلاند تقع على واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم (خليج عدن/مدخل البحر الأحمر). كثير من العواصم ترى أن الاعتراف الإسرائيلي ليس رمزيًا فقط، بل قد يفتح الباب لتعاون أمني واستخباري أوموطئ قدم عسكري- وهذا يرفع احتمال الاستهداف والردع المتبادل في بيئة مشتعلة أصلاً (اليمن/الحوثيون/إيران)، ويعقّد أمن الموانئ والتجارة. هذه المخاوف برزت صراحةً في النقاشات العامة وردود الفعل الدولية حول “الدوافع” الأمنية للخطوة.

ثم ثالثاً تجنّب حملات التضامن مع غزة وتداعياتها الداخلية. نجد في داخل القرن الإفريقي مجتمعاتٌ شديدة الحساسية تجاه القضية الفلسطينية، وأي اقتراب رسمي من خطوة تُقدَّم إعلامياً كـ“نصر” لإسرائيل قد يخلق أزمة شرعية داخلية (احتجاجات، تعبئة دينية وقومية، وتغذية دعاية الجماعات المتطرفة). لذلك قد تفضّل الحكومات— حتى لو كانت لها مصالح مع صوماليلاند—ألا تدفع الثمن الشعبي والأمني. وقد زاد الأمر تعقيداً بسبب اتهامات وشكوك طُرحت دولياً بأن الاعتراف قد يرتبط بنقاشات حول “ترتيبات تهجير” للفلسطينيين، ما يجعل تكلفة التأييد أعلى سياسياً. ثم هنالك ملف التضامن الإقليمي والضغط الدبلوماسي من حلفاء الصومال. فهي دولة عضو في الاتحاد الإفريقي، وفي منظومات إقليمية، ولها حلفاء يملكون نفوذاً اقتصادياً وأمنياً في القرن الإفريقي. لذلك رأينا اصطفافاً واضحاً في الإدانة والتحذير من “التداعيات على السلام والأمن” في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. في بيئة تعتمد فيها بعض دول الإقليم على التمويل، والموانئ، والتحويلات، يصير “الحياد” هنا خياراً معقولاً. ثم خامساً حسابات إثيوبيا الخاصة بين تأمين منفذ بحري وخشية كسر الإجماع. إثيوبيا تحديداً قد ترى في صوماليلاند منفذاً بحرياً محتملاً أو شريكاً اقتصادياً، لكن الاعتراف الرسمي—خاصة إذا ظهر وكأنه “تحت المظلة الإسرائيلية”—قد يفجّر مواجهة دبلوماسية وأمنية مباشرة مع مقديشو ويستفز أطرافاً إقليمية، ويعقّد ملفات أخرى (سد النهضة، العلاقات مع مصر، التموضع في البحر الأحمر). لذا قد تميل أديس أبابا لسياسة “التعامل الواقعي من دون اعتراف” أو انتظار ما ستفعله القوى الكبرى، بدل القفز إلى خطوة ذات تكلفة عالية.وأخيراً ملف القانون الدولي وشرعية الدولة. حتى الدول التي تتعاطف مع حجج صوماليلاند (الاستقرار، المؤسسات، الانتخابات) تدرك أن الاعتراف يُفهم كتمزيق لقاعدة سيادة الدول—وهو باب قد يُستخدم ضدها مستقبلاً. لهذا رأينا دولاً كالمملكة المتحدة تعيد تأكيد موقفها التقليدي وهو لا اعتراف، دعم وحدة الصومال.

هذا السؤال يضع اليد على “قواعد اللعبة” في القرن الإفريقي من حيث شرعية الحدود، والخوف من سابقة الانفصال، وحساسية البحر الأحمر. لأنه يقرأ الرفض والتحفّظ كـ سلوك بقاء لا كـ “موقف مبدئي” فقط. لذلك يمكن أن أقول أن امتناع دول القرن الإفريقي، بل حتى بريطانيا، عن مجاراة الاعتراف الإسرائيلي لا يعني بالضرورة أنها “ضد صوماليلاند كواقع”، بل لأنها ترى أن الاعتراف الآن يخلق مخاطر تفوق المنافع كسابقة تفكيك، وعسكرة البحر الأحمر، واحتكاك وتنافر مع الرأي العام، واستقطاب إقليمي ودولي في لحظة ملتهبة.

…………

السؤال الثاني: كيف تؤثر الصراعات الداخلية في كل من إثيوبيا والسودان على قدرة هذه الدول في بلورة موقف إقليمي موحد تجاه هذه القضية ؟

__________

الصراعات الداخلية في إثيوبيا والسودان لا تُضعف “الموقف الرسمي” فقط، بل تُعطّل عملياً قدرة الدولتين على قيادة اصطفاف إقليمي متماسك تجاه خطوة إسرائيل بالاعتراف بصوماليلاند. التأثير يحدث عبر خمس آليات رئيسية: أولاً عبر انكماش “هامش السياسة الخارجية” لصالح أولويات البقاء الداخلي. حين تكون الدولة مشغولة بإطفاء حرائق المشهد الداخلي، يتحوّل ملف صوماليلاند إلى ترفٍ دبلوماسي مقارنةً بأولويات الأمن المباشر مثلالسيطرة على الإقليم، حماية العاصمة والمعابر، وتأمين الاقتصاد والعملة.لاحظ أن في السودان الحرب بين الجيش ومليشيا «الدعم السريع» تعيد ترتيب الدولة على منطق “الجبهات” لا “المبادرات”، وتستنزف الموارد وتُغرق القرار في أمنٍ يومي وملف إنساني ضاغط. وفي إثيوبيا نجد استمرار بؤر التوتر والعنف السياسي والمجتمعي يجعل صانع القرار أقل قدرة على الاستثمار في قيادة إجماع إقليمي طويل النفس.

ثانياً في أزمة الشرعية، من يتكلم باسم الدولة؟ الموقف الإقليمي الموحد يحتاج دولةً “متماسكة الصوت”. لكن في السياقين نجد أن السودان حيث واقع الحرب يخلق تعدد مراكز قوة وواجهات سياسية وإعلامية، ويجعل أي اصطفاف خارجي يُقرأ فوراً كجزء من معركة الشرعية الداخلية لا مجرد سياسة خارجية. أما في إثيوبيا: التوترات الداخلية تعني أن أي قرار خارجي كبير (اعتراف، رفض، أم وساطة) سيُستخدم داخلياً كسلاح في الاستقطاب، فيميل المركز إلى تقليل المخاطر وتجنّب خطوات تُشعل الجدل. ثم مسألة الحساسية الأمنية للحدود والبحر الأحمر ذلك يرفع كلفة “التصعيد الخارجي. فقضية صوماليلاند مرتبطة مباشرةً بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وبسيناريوهات “العسكرة” وفتح موطئ قدم جديد في الإقليم—وهي مخاوف جرى تداولها علناً في مجلس الأمن عقب خطوة إسرائيل. لكن دولتين مثقلتين بحروب داخلية لا تريدان إضافة حزمة تصعيد جديدة قد تجلب ردود فعل إقليمية وجماعات مسلحة وضغطاً شعبياً، أو تعقّد علاقاتهما مع شركاء يمسكون بمفاتيح التمويل والموانئ والدعم. ثم تضارب الحوافز داخل الإقليم،فإثيوبيا تحتاج “مرونة” والسودان يحتاج “نجاة”. إثيوبيا لديها دافع عملي قديم وهو البحث عن منفذ بحري وترتيبات اقتصادية ولوجستية مع ساحل الصومال، ما يدفعها لسياسة “التعامل الواقعي” وتوسيع الخيارات من دون القفز إلى اعتراف ينسف الإجماع الأفريقي ويصطدم بمقديشو والمنظمات الإقليمية. بينما السودان في المقابل، الحرب تجعله أكثر اعتماداً على دعم خارجي متشعب، وأقل قدرة على لعب دور “قائد إقليمي” في ملف خلافي جديد؛ وحتى لو امتلك موقفاً، فترجمته إلى تحالفات عملية تصبح أصعب في ظل انقسام الموارد والأولويات. ثم خامساً تعطّل أدوات الإجماع كما في حالة الإيغاد والاتحاد الأفريقي، هما يعملان لكن بقدرة أقل. وهذة مشكلة المنظمات الإقليمية حاولت تثبيت مرجعية واحدة هي دعم وحدة الصومال وسيادته ورفض الاعتراف الأحادي. لكن تحويل البيان إلى موقف مُوحَّد نافذ يحتاج دولاً محورية قوية وقادرة على المتابعة، والضغط، وحشد التوافقات—وهذا بالضبط ما تُضعفه الحروب الداخلية في إثيوبيا والسودان وما تسببه من نقص الطاقة السياسية، وضعف الثقة المتبادلة، وتفضيل “إدارة الحد الأدنى” بدل قيادة اصطفاف كامل.

هذا السؤال يربط الخارج بالداخل ويضع تحت دائرة الضوء لماذا حتى الدول ذات الوزن في اٌقليم (إثيوبيا والسودان) قد تُصدر بيانات لكنها تعجز عنقيادة اصطفاف إقليمي عملي بسبب الخوف من الاستنزاف وأزمة الشرعية وتعدد مراكز القرار. لذلك يمكنني أن ألخص ما سبق في أن الصراع الداخلي لا يغيّر فقط ما تفكر فيه الدولتان، بل يغيّر كيف تفكران: من منطق “هندسة الإقليم” إلى منطق “تجنب المخاطر”. لذا يصبح الموقف الإقليمي الموحد أقرب إلى بيانات مبدئية (وحدة الصومال، ورفض السوابق) وأبعد عن تنسيق فعلي(خطوات دبلوماسية مشتركة، ضغوط متزامنة، أو صفقة أمنية بحرية).

……….

السؤال الثالث: الي اي مدى يسهم الاعتراف الإسرائيلي في إعادة  تشكيل موازين القوة والتحالفات المحتملة على وحدة الأراضي الصومالية وعلى الأمن والاستقرار الإقليمي؟

__________

الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا يغيّر وحده “الخرائط” على الأرض، لكنه يُحدث صدمة سياسية قد تعيد ترتيب الحسابات في القرن الإفريقي على مستويين، أولاً ما يتعلق بوحدة الأراضي الصومالية كملف شرعية وسيادة، وأمن البحر الأحمر كملف صراع نفوذ. والأثر الفعلي يتوقف على سؤال واحدهو هل يبقى الاعتراف رمزياً ومعزولاً أم يتحول إلى ترتيبات أمنيةوموانئ وتطبيع تُغري أطرافاً أخرى وتستفز خصوماً؟ على مستوىوحدة الأراضي الصومالية. فالاعتراف يرفع سقف هارجيسا ويمنحها ورقة تفاوض جديدة؛ فهى لأول مرة تمتلك “سابقة اعتراف من دولة عضو بالأمم المتحدة”، ما يدفعها لتقديم نفسها ككيان قابل للاعتراف الدولي لا كحكمٍ ذاتي طويل الأجل. في المقابل، يضغط هذا التطور على مقديشو داخلياً، فأي تراخٍ سيُقرأ كعجزٍ عن حماية السيادة، لذلك جاء ردّ الحكومة الصومالية بوصفه خطوة “غير قانونية” و”هجوم متعمّد على السيادة”، مع تصعيد سياسي داخل المؤسسا ت.

لكن الاعتراف—حتى الآن—لم يتحول إلى “عدوى دبلوماسية”: المملكة المتحدة أعلنت صراحة أنها لن تعترف بصوماليلاند وتتمسك بوحدة الصومال، والاتحاد الأوروبي كرّر المبدأ نفسه ودعا إلى الحوار بين الطرفين، والاتحاد الإفريقي رفض أي مسعى للاعتراف محذراً من سابقة خطِرة على السلم. هذا الإجماع الواسع يحدّ من قدرة الاعتراف الإسرائيلي على تفكيك الصومال فوراً، لكنه لا يزيل أثره الرمزي كـ“إبرة اختبار” لمن يريد كسر القاعدة لاحقاً. 

على مستوى موازين القوة والتحالفات، جوهر القصة هو البحر الأحمر. في جلسة مجلس الأمن (29–30 ديسمبر 2025) طُرحت—علناً—شكوك دول أعضاء حول ما إذا كان الاعتراف بوابةً لترتيبات تتعلق بوجود عسكري وأمني أو حسابات مرتبطة بحرب غزة، بينما دافعت إسرائيل عن الخطوة باعتبارها “فرصة تعاون” وليست عملاً عدائياً ضد الصومال. الأهم هنا ليس النقاش الأخلاقي، بل أن الملف أُدخل إلى غرفة الأمن الدولي؛ فأي تحوّل لاحق نحو قاعدة عسكرية أو استخدام موانئ أو تسهيلات مراقبة سيُقرأ باعتباره “تموضعاً” جديداً في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم.

ومن زاوية الأمن الإقليمي المباشر، بدأت بالفعل لغة الردع تظهر، فزعيم الحوثيين أعلن أن أي حضور إسرائيلي في صوماليلاند سيكون “هدفاً عسكرياً”، ما يعني أن الاعتراف—إذا تُرجم إلى وجود—قد يفتح مسار تصعيد يربط ساحل الصومال الشمالي بصراع اليمن والبحر الأحمر، ويضع موانئ وخطوط تجارة في دائرة التهديد. لهذا تحديداً تحذّر أطراف دولية من “مخاطر إقليمية” وتؤكد مراراً مرجعية سيادة الصومال ووحدته.

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، في تقديري، هو إعادة استقطاب من دون انهيار فوريعندها ستتشدد مقديشو سياسياً، وستستثمر هارجيسا الاعتراف لإقناع شركاء محتملين بأن “الوقت تغيّر”، بينما ستسعى المنظمات الإقليمية (الإيغاد والاتحاد الإفريقي) لتطويق الأثر ومنع انتقاله من الاعتراف إلى ترتيبات ميدانية. أما التحالفات المحتملة فستتبلور حول سؤال الأمن البحري، من يرى في صوماليلاند منصة لوجستيةوأمنية، ومن يخشى أن تتحول إلى ساحة صراع جديدة تُستدعى إليها خصومات الشرق الأوسط. لذلك هذا السؤال هوالأكثر استراتيجية، حيثينتقل من الموقف إلى إعادة تشكيل التحالفات ومخاطر العسكرة والردع وتأثير ذلك على وحدة الصومال وأمن البحر الأحمر—وهو سؤال قد يصلح لإنتاج عدد من سيناريوهات المستقبل.

بالنظرة الشاملة لأسئلة صحيفة “مسارات” الغراء فإن الاعتراف بدولةصوماليلاند ليس مجرد تحركاً دبلوماسياً، بل اختبارٌ لقاعدة أفريقية حسّاسة تقوم على وحدة الدول وسلامة الحدود؛ لذلك تتردد دول القرن الإفريقي في مجاراته لأنها ترى فيه سابقة قد تُفكك الإقليم من الداخل قبل أن تُفكك الصومال وحده. وفي لحظة تتشابك فيها أزمة البحر الأحمر مع صراعات الشرق الأوسط، يتحول الاعتراف إلى عامل استقطاب محتمل إذا تُرجم إلى ترتيبات ميدانية في شكل توظيف موانئ وتسهيلات عسكرية أوتعاون أمني، ما يرفع كلفة المخاطر على الملاحة والاستقرار. كما أن الصراعات الداخلية في إثيوبيا والسودان تقلّص هامش المبادرة الإقليمية، فتنتج مواقف مبدئية عامة من دون قدرة على بناء تنسيق ضاغط ومستدام. إذن الخطر الأكبر ليس “الاعتراف” كرمز، بل ما قد يفتحه من سلاسل تحالفات وردع وتدويل في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.

……….

دكتور صلاح آل بندر

كيمبريدج، بريطانيا

31/12/2025

اترك رد

error: Content is protected !!