
تتشكل ملامح حراك تفاوضي حذر بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، في لحظة إقليمية مثقلة بالتعقيد، حيث لم تعد الحرب خيارًا نظريًا بقدر ما أصبحت واقعًا مستنزِفًا لكلا الطرفين، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. فالتصعيد، وإن لم يبلغ ذروته بعد، أفرز حالة إنهاك متدرّج، تدفع نحو التفكير في مخارج دبلوماسية، دون أن تنضج بعد شروط التسوية أو تتبلور إرادة حاسمة لإنهاء المواجهة.
في هذا السياق، لا يأتي المسار التفاوضي كتعبير عن انفراج بقدر ما يعكس إدارة حذرة للأزمة تحت ضغط الكلفة المتصاعدة، حيث يسعى كل طرف إلى تجنّب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، دون أن يبدو في موقع التراجع. وبين هذا وذاك، تتعمق حالة التماري في المواقف، إذ تُبقي واشنطن على خطاب مزدوج يجمع بين الردع والانفتاح المحدود، فيما تواصل طهران رفع سقف شروطها، مستندة إلى قدرتها على تحمّل الضغوط وتوسيع هوامش الاشتباك غير المباشر.
ومنذ البداية، تبدو الفجوة بين الطرفين أعمق من مجرد اختلاف في التفاصيل؛ فهي فجوة في تعريف “الصفقة الممكنة” وحدودها. فواشنطن تميل إلى مقاربة مرحلية تُعلي من أولوية احتواء التصعيد وشراء الوقت وإرضاء حليفها ، بينما تصر طهران على ربط أي تفاهم برفع ملموس للعقوبات، مقرونًا بضمانات تتجاوز هشاشة الترتيبات المؤقتة الي خيارات مستديمة. وبين هذين التصورين، يتحرك المسار التفاوضي في منطقة رمادية، حيث تتقاطع الضرورات مع الحسابات، ويتقدم الحوار بقدر ما تعرقله حسابات القوة والهيبة.
فجوة الثقة قبل فجوة الملفات
الخلاف ليس تقنيًا بقدر ما هو أزمة ثقة متراكمة. إيران تنظر بحذر إلى أي ترتيبات مؤقتة، خشية أن تتحول إلى هدنة تكتيكية، فيما تدرك واشنطن أن التفاوض الشامل قد يفتح ملفات يصعب احتواؤها سريعًا. لذلك، تراهن على دبلوماسية محدودة تركز على ضبط الإيقاع، لا حسم الصراع.
غير أن هذا التباين يطرح سؤالًا محوريًا: هل يمكن لاتفاق جزئي أن يصمد في بيئة صراع مفتوح!؟
وساطة بلا أدوات ضغط
تلعب باكستان دور قناة اتصال أكثر منه رافعة حل. فهي تسهّل الحوار، لكنها لا تملك أدوات ضغط كافية لفرض اختراق. وعليه، يبقى نجاح الوساطة مرهونًا بإرادة الأطراف لا بقدرة الوسيط.
وكذلك الأطراف الاقليمية الأخرى والحلفاء.
إسرائيل… معادلة موازية
في المقابل، تتحرك إسرائيل خارج منطق “التهدئة السريعة”، معتبرة اللحظة فرصة لإعادة تشكيل ميزان الردع. لذلك، تواصل الضغط العسكري وتوسيع بنك الأهداف، في مسار لا ينسجم بالكامل مع التوجه الأمريكي، ما يخلق ازدواجية بين دبلوماسية في الخلف وتصعيد في الميدان يصيب الدبلوماسية في مقتل.
إسرائيل ومحاولة عرقلة المسار التفاوضي
في هذا السياق، لا تكتفي إسرائيل بالتحفظ على مسار التفاوض، بل تميل إلى عرقلته وإطالة أمد الحرب، انطلاقًا من حسابات استراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة. فهي تسعى إلى إبقاء التهديد الإيراني حاضرًا ومرئيًا كخطر مستمر، بما يبرر استمرار الضغط العسكري والسياسي، وفصل المسار اللبناني.
لذلك، تميل تل أبيب إلى إرسال إشارات ميدانية متواصلة تؤكد أن المواجهة لم تُحسم، وأن التهديد لا يزال قائمًا، في محاولة لرفع سقف التفاوض ومنع أي تهدئة قد تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.
في المقابل، يبدو الموقف الأمريكي أكثر حذرًا، تحكمه حسابات المصالح الأوسع. فواشنطن، رغم دعمها لإسرائيل، لا ترى في الحرب المفتوحة خيارًا مفضّلًا، لما تحمله من كلفة اقتصادية وأمنية، ولما قد تفرضه من اختلالات في أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي. ومن هنا، يتشكل تباين واضح بين حليفين: أحدهما يدفع نحو إطالة أمد المواجهة، والآخر يسعى إلى احتوائها، بينما يظل أمن الخليج يبارح مكانه.
مهلة الخمسة أيام: ضغط لا أكثر
الإطار الزمني الأمريكي يبدو أقرب إلى أداة ضغط منه إلى مهلة واقعية. فتعقيد الملفات وتشابكها يجعل من الصعب تحقيق اختراق حقيقي خلال أيام محدودة، ما يرجّح الاكتفاء بتفاهمات أولية أو تهدئة مؤقتة.
وقف إطلاق النار أم إنهاء الحرب؟
التجارب السابقة تُظهر أن وقف إطلاق النار غالبًا ما يكون إجراءً مؤقتًا، سرعان ما يتآكل لغياب معالجة الجذور العميقة للصراع. وفي السياق الراهن، تبدو الدعوات إلى التهدئة أقرب إلى شراء الوقت، فيما لا تزال الأطراف ترى في الميدان وسيلة لتحسين شروط التفاوض.
أما إنهاء الحرب، فيتطلب توافقات أوسع وضمانات أكثر صلابة، وهي شروط غير متوفرة حاليًا. لذا، يبقى السيناريو الأرجح هو استمرار دورات التهدئة والانفجار.
خيارات مفتوحة… بلا حسم قريب
تتراوح المسارات المحتملة بين:
• تهدئة مشروطة تضبط الإيقاع دون حل جذري
• تصعيد محسوب يوسّع الضغط دون انفجار شامل
• صفقة مرحلية تحتاج وقتًا غير متاح
• أو انزلاق إلى تصعيد أوسع بفعل خطأ في الحسابات
تفاؤل محسوب… أم رهان سياسي؟
تفاؤل دونالد ترامب بإمكانية تحقيق اختراق سريع يستند إلى رهانه على أثر الضغوط المركبة، ورغبته في إنجاز اتفاق سياسي سريع، إضافة إلى مؤشرات قنوات خلفية. غير أن هذا التفاؤل يصطدم بواقع معقد، حيث الفجوة لا تزال واسعة في النقاط المعروضة، والميدان مفتوحًا.
الخلاصة: صراع الإرادات… ودبلوماسية لتأجيل الانفجار
في ضوء هذا التباين الحاد بين واشنطن وتل أبيب باتجاه طهران ، لا تبدو المنطقة على أعتاب تسوية بقدر ما تقف عند تقاطع معقد بين مسارين متعارضين: مسار أمريكي يسعى إلى احتواء الصراع ضمن حدود يمكن إدارتها، ومسار إسرائيلي يدفع باتجاه إطالة أمد المواجهة لتعظيم مكاسب الردع وإبقاء التهديد الإيراني حاضرًا في الوعي الدولي.
هذا الاختلال في أولويات الحليفين لا يضعف فقط فرص التوصل إلى اتفاق سريع، بل يعمّق هشاشة أي تفاهم محتمل، إذ يولد بيئة تفاوضية غير مستقرة تُدار فيها الدبلوماسية تحت ضغط الميدان، لا بمعزل عنه. وفي ظل هذا الواقع، تتحول أي تهدئة إلى محطة مؤقتة، وأي اتفاق إلى ترتيب قابل للاهتزاز.
وعليه، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بإمكانية الوصول إلى اتفاق خلال مهلة زمنية ضيقة، بل بمدى قدرة الأطراف على إدارة هذا التناقض دون أن ينفلت إلى مواجهة أوسع. فإسرائيل تسعى إلى رفع سقف التفاوض عبر استمرار الضغط، بينما تحاول الولايات المتحدة خفضه بما يتسق مع مصالحها.
في هذه المنطقة الرمادية، لا توجد قاعدة مشتركة لمخرجات الحرب مرضية للطرفين، و الدبلوماسية لا تمثل نقيضًا للحرب، بل أداة لتأجيلها وتنظيم إيقاعها. أما الحسم، فيظل مؤجلًا، لا لغياب الأدوات، بل لغياب التوافق على كلفته ونتائجه. ومن ثم، تدخل المنطقة مرحلة شدٍّ استراتيجي طويل، حيث لا سلام مستقر ولا حرب شاملة، بل توازن هشّ قابل للاهتزاز في أي لحظة في ظل تصعيد التصريحات
—————-
٢٥ مارس ٢٠٢٦ م


