موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

خلل الأولويات في زمن الحرب (قراءة في بيان الساعة الواحدة بتوقيت التوهان)

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

في المراحل التأريخية واللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، وحين تتعرض الدول لاهتزازات وجودية تهدد كيانها، يصبح ترتيب الأولويات مسألة مصيرية لا تحتمل الخطأ. فالدولة التي تنزف تحت وطأة الحرب، وتتآكل مؤسساتها، وتتشظى بنياتها الاجتماعية والاقتصادية، لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات السياسية المؤجلة، بل إلى عقل راشد يُحسن قراءة اللحظة، ويُقدّم الضرورات على الكماليات، والوجود على التنازع.

غير أن ما شهدناه في السودان أمس واليوم، يعكس صورة مغايرة تمامًا. فقد روّجت مجموعة من الكيانات السياسية — (قحت، تقدم، صمود، تأسيس) — وعبر امتداداتها وأذرعها ورموزها لما وصفته بحدث مهم للشعب السوداني، يُعلن عنه في تمام الساعة الواحدة ظهرًا بتوقيت السودان، في محاولة لخلق حالة ترقّب توحي بأهمية استثنائية لما سيُطرح. لكن المفاجأة التي تكشفت في تلك الساعة المحددة، لم تكن إلا استمرارًا لحالة التيه السياسي، وانفصالًا جديدًا عن واقع البلاد المأزوم.

لقد جاء البيان المعلن، بإعادة إحياء لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، ليؤكد مرة أخرى أن هذه الكيانات لا تزال تعاني من افتقاد واضح للرشد السياسي، وعجزٍ عن إدراك طبيعة المرحلة، وإصرارٍ على إعادة إنتاج أدوات صراع تجاوزها الواقع، بل ولفظها الشعب نفسه في سياقات مختلفة. إننا أمام حالة من “التوهان السياسي” الذي لم يعد ضرره مقتصرًا على أصحابه، بل أصبح عبئًا مباشرًا على الوطن كله.

إن الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح، أن هذه الكيانات لم تعد تملك أي شرعية تنفيذية لتبني قضايا الشعب أو التصرف باسمه. فالشرعية في الدول لا تُستمد من الشعارات ولا من إرث سياسي متنازع عليه، بل من التفويض الشعبي الحر عبر صناديق الاقتراع. ويمكن لمن شاء أن يطرح رؤاه وبرامجه، ولكن الطريق الوحيد للحكم يمر عبر الديمقراطية والانتخابات، لا عبر بيانات تُصدر في توقيتات معزولة عن واقع المعركة.

وفي ظل الحرب الوجودية التي تخوضها الدولة السودانية منذ 15 أبريل 2023م، فإن القاعدة الحاكمة لأي عمل سياسي مسؤول يجب أن تكون واضحة، وهي أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فالأولوية الآن ليست لتصفية الحسابات السياسية، ولا لإحياء لجان خلافية، بل لهزيمة التمرد، وكسر شوكته، واستعادة الدولة لسيادتها ووحدتها وإنهاء الحرب.

إن البيان المذكور يكشف خللًا عميقًا في المنهج، وضلالًا في ترتيب الأولويات. فهو يقدّم الحقد السياسي والتشفي الاجتماعي على مقتضيات إدارة الدولة في زمن الحرب، ويتعامل مع الواقع بعقلية صراعية ضيقة، بدلًا من الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية التي تتطلب توحيد الجهود نحو إنقاذ البلاد وإعادة استقرارها.

ولعل المفارقة الكبرى، أن أخطر ما أنتجه نظام الثلاثين من يونيو – الذي يُرفع شعار تفكيكه – هو مليشيا الدعم السريع، التي مزقت البلاد، ودمرت بنيتها، وهددت وجود الدولة نفسها. فإن كنتم صادقين في خطاب التفكيك، فالأولى بكم أن تتجهوا إلى تفكيك هذا الخطر الوجودي، لا أن تنشغلوا بهياكل سياسية لم يعد لها حضور فعلي في واقع اليوم.

ولو كانت لديكم القدرة الحقيقية على التفكيك، لبدأتم بما هو قائم وفاعل وخطير، لا بما هو متآكل أو منتهي الأثر. لكن ما نراه هو توظيف انتقائي لقضايا الوطن، يُدار بمنطق سياسي ضيق، لا بمنهج وطني جامع. وذلك لأن هذه اللجنة، بعد أن أُطيح بحواضنها السياسية من الحكم، وفي ظل التحول الكبير الذي فرضته الحرب على بنية الواقع السوداني، لم تعد تملك لا القدرة السياسية ولا القدرة التنفيذية التي تمكّنها من إحداث أي فعل ذي أثر.

إن البلاد اليوم في أزمة شاملة، تمثلت هذه الأزمة في حرب مدمرة، مؤسسات منهارة، اقتصاد متآكل، ومجتمع مثخن بالجراح. وفي خضم هذا المشهد، يأتي من يريد أن “يفكك” ما لم يعد قائمًا، وكأنما يشعل نارًا في رماد، أو كمن يزيد الحريق اشتعالًا بدل أن يسعى لإخماده.

لقد أصبح واضحًا أن هذه القوى لا تزال تصارع أوهامًا، وتحارب “خيال المآتة”، وتدور في فلك صراعات تجاوزها الزمن. والأسوأ من ذلك، أنها بذلك تُسهم – بقصد أو بغير قصد – في إطالة أمد الأزمة، وتعميق معاناة الشعب.

ثم إن التجربة لا تزال حاضرة في ذاكرة السودانيين. فقد أخذت هذه القوى نصيبها من الحكم، وأدارت الشأن العام، وقدّمت نموذجًا كان من بين أسباب الانزلاق إلى الحالة الراهنة. كما أن لجنة التفكيك نفسها، التي يُعاد إحياؤها اليوم، قدّمت نموذجًا إجرائيًا وإداريًا بالغ السوء، إذ جمعت بين خصومة الاتهام، وسلطة التحقيق، وقرار الحكم والتنفيذ، في خلط غير مسبوق أضر بالعدالة، وأساء لسمعة الدولة القانونية، وأرسل إشارات سالبة طردت الاستثمار، وأربكت الاقتصاد، وأفقدت البيئة الوطنية جاذبيتها.

لقد رُفعت باسم الثورة شعارات “حرية، سلام، وعدالة”، لكن الممارسة على الأرض جاءت نقيضًا لها، فأُسيء للعدالة، وتراجعت الحرية، وغاب السلام.

ولا يمكن إغفال أن هذا التحرك قد يكون مدفوعًا أيضًا بمحاولة اللحاق بموجة التصنيفات الدولية الأخيرة، والسعي لركوب “الترند” السياسي العالمي، والتقرب من دوائر النفوذ الدولية، خاصة في ظل التحولات الأمريكية. وهو سلوك يعكس قابلية مقلقة للارتهان للخارج، بدلًا من بناء موقف وطني مستقل يستند إلى مصالح السودان أولًا.

لقد استبدلت تجربة “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين” تمكين بتمكين أسوأ، ولم تعد الأموال إلى الخزينة العامة كما يُدّعى، بل تسربت لتصنع مراكز قوى جديدة، في إعادة إنتاج مشوهة لنفس الظاهرة التي رُفع شعار محاربتها.

إن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م لم تغيّر فقط موازين القوى، بل أفرزت واقعًا جديدًا، وخلقت شرعية مختلفة تستند إلى معادلات الميدان. وهذا الواقع يفرض على الجميع – دون استثناء – إعادة قراءة المشهد، ومراجعة الرؤى، والبحث عن مداخل جديدة للتواصل مع الشعب، الذي وحده يملك حق القبول أو الرفض.

ومن أراد طريق الحكم، فالباب واضح، وهو الوقوف مع الشعب في معركته، ميدانًا وسياسة، حتى تنتهي الحرب، ثم الاحتكام لصناديق الاقتراع. أما القفز على الواقع، أو البحث عن شرعيات بديلة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة السياسية.

و من باب بذل الوصايا في زمان العواصف والأزمات، نورد جملة من النصائح:

الوطن أولًا، والأحزاب والكيانات وسائل لا غايات.

إدارة الدولة في زمن الحرب تقوم على توحيد الجبهة الداخلية، لا فتح جبهات جديدة.

العدالة لا تُبنى بالانتقام، بل بمؤسسات مستقلة وإجراءات راسخة.

السياسة الرشيدة تبدأ من قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

من أراد المستقبل، فليتصالح مع ضرورات الحاضر، لا مع أوهام الماضي.

إن السودان اليوم يقف على حافة مفصل تاريخي خطير، لا يحتمل العبث السياسي ولا التجريب مرة أخرى. وما بين معركة الوجود ومعارك الوهم، يبقى الخيار واضحًا لكل من أراد أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة. وهو ما يتطلب الانحياز للوطن، لا للأجندة، وللشعب، لا للسلطة. أما ساعة الواحدة ظهرًا، التي أُريد لها أن تكون لحظة فارقة، فقد أثبتت – للأسف – أنها مجرد عنوان جديد لمرحلة قديمة من التيه، بل اكدت بما لايدع مجالًا للشك أنها الساعة الواحدة ظهرًا بتوقيت “التوهان”.

الثلاثاء 17 مارس 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!