من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

خبراء الكذب والتلفيق: كيف تحولت بعض القوى السياسية السودانية إلى أبواق عميلة ضد وطنها

محمد الحاج

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي كشف زيف الوجوه التي احترفت “هندسة الكذب” كبضاعة للارتزاق السياسي؛ حيث برزت فئة من القوى التي باعت انتماءها في سوق النخاسة الدولي، وحولت أجنداتها إلى مخالب تفتك بجسد الدولة. إن ما أقدم عليه المدعو خالد سلك من ترويج لفرية تورط السودان أو شخصيات سودانية في هجوم السابع من أكتوبر، ليس مجرد سقطة عابرة، بل هو تجسيد حي لظاهرة “المثقف المغالط” التي فضحها المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس في كتابه (المثقفون المغالطون). فهؤلاء “الخبراء الزائفون” لا يتحركون وفق مبادئ وطنية، بل كـ “نجوم إعلام” يجيدون قول ما يطلبه الممول أو ما يخدم أجندات القوى الدولية الطامعة، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة وسلامة الوطن، تماماً كما فعل “سلك” حين حاول تقديم “صكوك الغفران” للقوى الخارجية عبر زج السودان في صراعات إقليمية لا علاقة له بها، في محاكاة رخيصة لدور المخبر الذي يبيع أهله لإرضاء أسياده.
إن تساؤلاً جوهرياً يطرح نفسه أمام هذا السقوط: لمصلحة من يعمل هؤلاء؟ إن الإجابة تكمن في طبيعة “التمويل السياسي” والارتهان لدوائر إقليمية ودولية ترى في استقرار السودان وقوة مؤسساته الوطنية عائقاً أمام طموحاتها في السيطرة على موارد البلاد وموقعها الاستراتيجي. لقد كشف “بونيفاس” كيف يتم “صناعة الكذب” وتزييف الحقائق لتعزيز وجهات نظر تخدم التدخلات الخارجية، وهو ما تمارسه اليوم “تنسيقية صمود” وشبيهاتها؛ حيث تحولت منصاتها إلى صدى باهت لما يمليه “اللعيبة الدوليون” الذين يحركون المشهد من خلف الستار. إن هؤلاء العملاء لا يخدمون الديمقراطية كما يزعمون، بل يخدمون الأجندات التي تسعى لتفكيك الجيش السوداني وتحويل البلاد إلى ساحة مستباحة للمليشيات والقوى العابرة للحدود.
إن لجوء هذه القوى لشيطنة المؤسسات الوطنية وتبرير انتهاكات المليشيات، يهدف بالأساس إلى صناعة “غطاء سياسي” لعمليات النهب والتدمير الممنهجة التي كانت على مرأى ومسمع من العالم بأسره؛ حين غدرت مليشيا الدعم السريع بالشعب السوداني، ونهبت وروعت الآمنين داخل مساكنهم. لذلك نجد هذه الفئة الضالة الداعمة للمخطط الخارجي تمارس “ازدواجية معايير” فجة؛ فيدينون الوطن والمواطن لإرضاء المانح، ويتغاضون عن جرائم المرتزقة لأنهم شركاء في ذات المشروع التخريبي. إن ادعاءات تورط السودان في أحداث إقليمية كبرى ليست إلا محاولة بائسة لاستعداء المجتمع الدولي ضد الدولة السودانية، وهي “مغالطة” تهدف لتوفير الذرائع للتدخل الأجنبي تحت مسميات “حماية المدنيين” أو “مكافحة الإرهاب”، بينما الحقيقة هي تمهيد الطريق لمن يدفعون ثمن هذه الأكاذيب في الغرف المظلمة.
إن ما تقترفه هذه القوى من تزييف وتآمر يتجاوز حدود “الخلاف السياسي” ليقع في دائرة الجرائم الوطنية الكبرى التي لا تسقط بالتقادم. إن المحاسبة القانونية الصارمة أمام القضاء السوداني هي الاستحقاق القادم لكل من استخدم نفوذه الفكري والسياسي لتمهيد الطريق لتمزيق البلاد؛ إذ لا يمكن لسيادة الدولة أن تُسترد دون تطهير الفضاء العام من بذور “المغالطين” الذين رهنوا مصير أمة بحفنة من “الدولارات المشبوهة”. سيبقى السودان شامخاً بشرفاء شعبه، وسيسجل التاريخ أسماء هؤلاء في قوائم العار كدرس قاسٍ للأجيال حول عواقب خيانة الأرض تحت ستار “الخبرة” والتحليل الزائف.


٢٨ فبراير ٢٠٢٥ م

اترك رد

error: Content is protected !!