
د/ ياسر زيدان
إن أقصر طريق لفهم دور دولة الإمارات العربية المتحدة في المنطقة، ومحاولتها تطويق السيادة في اليمن، لا يمر عبر الأحداث العسكرية المباشرة أو التحركات التكتيكية الظرفية، بل عبر فهم توجهها الاستراتيجي الأشمل. فمنذ اندلاع الصراعات الإقليمية، حاولت تتبع منطق التفكير الإماراتي ومغزاه الاستراتيجي، لا سيما في ما يتعلق بالحرب في السودان، والتوجه نحو البحر الأحمر، والتمدد في
إفريقيا عمومًا.
في هذا السياق، انخرطتُ في نقاشات مع مبعوثين أمريكيين سابقين، ومع شخصيات مطّلعة على دوائر صنع القرار في الإمارات، إضافة إلى تتبع التصريحات الرسمية وغير الرسمية الصادرة عن منظّري السياسة الإماراتية، وعلى رأسهم ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، والتي تناولت مرارًا الاستراتيجية الإماراتية في السودان والبحر الأحمر. وقد خلصت من ذلك إلى أن التفسيرات الاقتصادية وحدها غير كافية؛ فالسودان، رغم كل الحديث عن الذهب، لا يمثل مصلحة اقتصادية مباشرة تبرر هذا الحجم من الانخراط. كما لا يبدو مقنعًا تفسير هذا التدخل باعتباره مجرد حرب ضد الإسلام السياسي، إذ إن النفوذ الإماراتي يمتد إلى شرق ووسط وغرب إفريقيا، وهي مناطق لا يشكّل فيها الإخوان المسلمون تهديدًا فعليًا.
يتزامن هذا الصعود الإماراتي مع تحولات كبرى في بنية النظام الدولي، حيث يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب بعد مرحلة طويلة من الهيمنة الأمريكية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية. فالولايات المتحدة تنسحب تدريجيًا من الشرق الأوسط ومن مساحات واسعة من العالم، مدفوعة بإرهاق داخلي ناتج عن الحروب الطويلة، وبضغط شعبي يرفض استمرار التوسع العسكري الخارجي. وفي المقابل، باتت واشنطن تركّز على المنافسة الاستراتيجية مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا والهند.
في خضم هذه التحولات، يعود إلى الواجهة منطق «مناطق النفوذ» (Spheres of Influence)، وهو منطق نظّرت له المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ولا سيما في أعمال كينيث والتز جون ميرشايمر. . فوفقًا لوالتز، تفرض بنية النظام الدولي على القوى الكبرى البحث عن الاستقرار عبر السيطرة على محيطها الإقليمي، في حين يذهب ميرشايمر أبعد من ذلك، معتبرًا أن القوى العظمى لا تكتفي بالأمن، بل تسعى إلى الهيمنة الإقليمية ومنع أي قوة منافسة من الاقتراب من دوائر نفوذها. ويقوم هذا المنطق على قبول ضمني بتقاسم النفوذ بين القوى الكبرى، بحيث تُدار الأقاليم المختلفة وفق توازنات غير مكتوبة، لا عبر القانون الدولي أو المؤسسات متعددة الأطراف. .ضمن هذا السياق البنيوي، تدرك الإمارات أن الشرق الأوسط وإفريقيا لا يقعان ضمن نطاق النفوذ الحصري لأي من القوى العظمى الحالية، وأن التنافس فيهما يتم أساسًا بين قوى متوسطة وإقليمية، لا سيما في ظل التراجع الأوروبي الواضح. ومن هنا، يسعى العقل الاستراتيجي الإماراتي إلى تشكيل منطقة نفوذ خاصة به في هذا الحيز الجغرافي الحيوي. وهو ما يفسر الحضور الإماراتي المكثف في اليمن، والبحر الأحمر، وشرق إفريقيا، والسودان، الذي يُعد حجر الزاوية في مشروع النفوذ الإماراتي، نظرًا لموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، وارتباطه بنهر النيل، إضافة إلى كونه منصة مركزية لتوظيف أدوات القوة الصلبة الإماراتية، وعلى رأسها قوات الدعم السريع.
ويكتسب هذا التوجه بعدًا أكثر وضوحًا عند النظر إلى الاتفاق الاستراتيجي الذي وقّعته الإمارات مع الولايات المتحدة خلال إدارة جو بايدن. فقد تزامن هذا الاتفاق مع بروز مجموعة من المشاريع الكبرى التي تسعى الإمارات إلى تنفيذها في إفريقيا، تشمل مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة الكهربائية، والبنية التحتية الرقمية، والموانئ. والسؤال الجوهري هنا ليس طبيعة هذه المشاريع بحد ذاتها، بل سبب إدراج إفريقيا بهذا الزخم في اتفاق استراتيجي مع واشنطن.
الإجابة الأقرب هي أن هذا الاتفاق لا يمكن قراءته فقط بوصفه شراكة ثنائية، بل باعتباره تفويضًا ضمنيًا يضفي شرعية دولية على التمدد الإماراتي في إفريقيا. فالإمارات، من خلال هذا الإطار، تتحرك بغطاء أمريكي، لا في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية، بل كجزء من إعادة توزيع الأدوار داخل النظام الدولي. وعليه، يمكن النظر إلى هذا الاتفاق بوصفه إعلانًا غير مباشر بأن إفريقيا باتت تُعامل باعتبارها منطقة نفوذ ضمني للعقل الاستراتيجي الإماراتي، في لحظة تعيد فيها الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها العالمية، وتُحمّل قوى إقليمية صديقة أدوارًا أكبر في إدارة الفضاءات التي تنسحب منها تدريجيًا.
في هذا الإطار، تذكّر الاستراتيجية الإماراتية بأنماط السلوك الاستعماري الكلاسيكي، حيث شكّل التنافس على إفريقيا وآسيا أساسًا لأمن القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر. فقد عالجت تلك القوى هشاشتها الجغرافية والديموغرافية عبر بناء شبكات نفوذ واسعة خارج حدودها. وبالمثل، تعوّض الإمارات محدودية جغرافيتها وعدد سكانها بمنطق نفوذ إقليمي ممتد، مستندة إلى أدوات غير تقليدية، تشمل قوى محلية بالوكالة، وشراكات أمنية مرنة، وشبكات عسكرية غير رسمية.
ومن المرجح أن تفتح هذه الاستراتيجية باب صراع مباشر مع المملكة العربية السعودية، لا سيما في ظل رؤية السعودية 2030، التي تسعى من خلالها الرياض إلى إعادة تموضعها كقوة كبرى إقليميًا ودوليًا. وهو ما يفسر التوجه السعودي نحو الاستثمار النووي، والتوسع الاقتصادي، وبناء قدرات عسكرية مستقلة. وعليه، فإن التنافس الإماراتي–السعودي لا ينبغي فهمه بوصفه خلافًا ظرفيًا أو تكتيكيًا، بل كتناقض استراتيجي طويل الأمد بين مشروعين متنافسين لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية.






