
بلغت الحرب في السودان يومها الألف منذ اندلاعها صبيحة السبت 15 ابريل 2023م، ولعل العدّ الزمني في كثيرٍ من الأحيان لا يظل مجرد رقم في سجل النزاعات، بل يحدث أن يتحول إلى شاهد وعلامة تاريخية فاصلة تكشف طبيعة ما جرى وما يجري.
فالحروب التي تعبر حاجز الألف يوم دون حسم، لا تكون في الغالب حروبًا طارئة أو انفجارات داخلية عابرة، بل صراعات مُصمَّمة على الاستنزاف، أُديرت بمنطق الإطالة لا الحسم، وبأدوات التفكيك لا المواجهة المباشرة. في التاريخ السياسي، يمثل اليوم الألف لحظة انكشاف؛ فهو انكشاف للأهداف الحقيقية، وانكشاف حدود الدولة، وانكشاف شبكة المصالح التي تغذت على استمرار الحرب أكثر مما سعت إلى إنهائها.
ومع بلوغ حرب السودان يومها الألف، يتضح أن ما يشهده السودان لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل عملية إعادة تشكيل قسرية للدولة، استهدفت كسر مركزها السيادي، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وتحويلها إلى ساحة اختبار مفتوحة لنماذج الحروب بالوكالة والاقتصاد الحربي. واليوم الألف لا يُقرأ بوصفه فشلًا عسكريًا لطرف أو نجاحًا لآخر، بل بوصفه فشلًا مقصودًا لمنطق الحل، ونجاحًا مؤقتًا لمنطق الإبقاء على السودان في حالة لا حرب تُحسم ولا سلام يُبنى.
تاريخيًا، لا تدخل الأمم يومها الألف في الحرب ثم تعود كما كانت. فإما أن تبدأ عند هذه العتبة مراجعة كبرى تعيد تعريف الدولة ومعنى السيادة، أو تنزلق أكثر في مسار التآكل البطيء الذي يستهلك الزمن والإنسان والمكان معًا. ومن هنا، فإن اليوم الألف للحرب في السودان ليس محطة للعدّ، بل يجب أن يكون لحظة مساءلة وطنية كبرى تجيب على الاسئلة العميقة؛ من يدير هذه الحرب؟ ولمصلحة من استمرت ألف يوم؟ وما الذي يجب أن ينتهي الآن، وماذا يجب فعله حتى لا يتحول الألف إلى ألفين؟
ومع دخول الحرب يومها الألف، لم يعد من الممكن القفز فوق حقيقة الخراب المنهجي الذي خلّفته المليشيا في الجغرافيا والإنسان والدولة. فالدمار الذي أصاب المدن والقرى، والبنية التحتية، والمؤسسات الخدمية، لم يكن نتيجة عرضية لقتال عشوائي، بل نتاج سلوك قتالي قائم على تحويل المجال المدني إلى ساحة حرب مفتوحة، واستخدام السكان دروعًا بشرية، وتدمير مقصود لمقومات الحياة بهدف إخضاع المجتمع عبر الرعب لا عبر السياسة.
لقد ارتكبت المليشيا، على امتداد هذا الصراع، انتهاكات جسيمة وممنهجة ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي الإنساني. شملت هذه الانتهاكات القتل خارج نطاق القانون، والاغتصاب والعنف الجنسي، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات، وتدمير المرافق الصحية والتعليمية، واستهداف الأحياء السكنية، في مخالفة صريحة لقواعد الاشتباك، ولمبادئ التمييز والتناسب، ولأبسط قواعد السلوك العسكري. هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تبريرها بسياق سياسي أو عسكري، وهي تُحمِّل قادة المليشيا مسؤولية جنائية فردية، لا لبس فيها، أمام العدالة الوطنية والدولية.
ولا تقف المسؤولية عند الفاعل المباشر وحده، بل تمتد أخلاقيًا وقانونيًا إلى الداعمين والممولين والميسرين، وكل من وفّر السلاح أو الغطاء السياسي أو المنصات الإعلامية، أو سعى لتبييض صورة هذه المليشيا أو إعادة تدويرها كفاعل مشروع. فالقانون الدولي لا يعفي من المسؤولية من يشارك في الجريمة عبر الدعم أو التحريض أو التسهيل، كما أن التاريخ لا يبرئ من راهن على تدمير الدول عبر وكلاء مسلحين.
وفي هذا السياق، يصبح فشل جولات الحوار، والوساطات الإقليمية والدولية، والمنابر التفاوضية المتعددة، أمرًا مفهومًا لا مفاجئًا. فقد بُنيت معظم هذه المسارات على فرضية خاطئة، مفادها أن المليشيا لا تزال تمتلك قبولًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو عسكريًا تقوم على اساسه التسوية. والحقيقة التي فرضها اليوم الألف هي أن هذه المليشيا فقدت أي مكانة عند السودانيين؛ لا قبولًا اجتماعيًا، ولا شرعية سياسية، ولا وزنًا عسكريًا يمكن أن يُبنى عليه أي مستقبل للدولة او المجتمع السوداني يمكن ان يفضي اليه الحوار و التفاوض. تجاهل هذا الواقع جعل الوساطات تدور في حلقة مفرغة، تفاوض ظلًّا سياسيًا لكيان سقط أخلاقيًا ووطنيًا وإلى غير رجعة.
في مقابل هذا الخراب، يبرز صمود الدولة السودانية في أكثر تجلياتها بساطة وصدقًا. صمود الجيش السوداني، والحركات المساندة، والمستنفرين، والمقاتلين الذين التحقوا بواجب الدفاع عن الوطن، في ظروف بالغة القسوة، وبكلفة بشرية ومادية هائلة. لم يكن هذا الصمود استعراض قوة، بل فعل بقاء، وإصرارًا على منع انهيار الدولة، وحماية ما تبقى من النسيج الوطني.
وقد شكّلت الانتصارات التي تحققت في مراحل عدة ومفصلية من هذه الحرب نقاط تحوّل قلبت الموازين، وأسقطت وهم تفوق المليشيا، وكسرت سردية “الحسم السريع”، وأعادت الاعتبار لفكرة الجيش الوطني القادر على التعافي والتكيّف واستعادة زمام المبادرة. هذه الانتصارات لم تكن عسكرية فقط، بل نفسية ومعنوية، أعادت الثقة للمجتمع، وأكدت أن مشروع تفكيك السودان ليس قدرًا محتومًا.
وإذا كان اليوم الألف مناسبة للمساءلة، فهو أيضًا مناسبة للإشادة. الإشادة بكل التضحيات، بكل الصبر الطويل، بكل من صمد في بيته، أو نزح مكرهًا، أو فقد عزيزًا، أو تحمل الجوع والخوف دون أن يساوم على وطنه. التحية لشهداء السودان الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا لبقاء الدولة، وللجرحى والمصابين الذين حملوا آثار الحرب في أجسادهم. التحية لكل من دعم هذا الصمود بالفكرة، أو بالكلمة، أو بالمال، أو بالموقف. التحية للإعلاميين الشرفاء، وللنخب السياسية والفكرية التي انحازت للمواطن، وللوطن، وللجيش، ورفضت الوقوف في المنطقة الرمادية بين الدولة ومليشيا الخراب.
كذلك، وفي قلب هذا المشهد القاسي، لا يمكن إغفال ذلك الوجه الآخر من السودان؛ الوجه الذي لم تحطمه الحرب، ولم تكسره القسوة، بل ازداد نقاءً وصلابة. الإشادة واجبة لكل من آوى النازحين وفتح بيته ملاذًا آمنًا للهاربين من الموت، ولكل من اقتسم لقمة شحيحة مع جائع، وأقام موائد الطعام في زمن الندرة، أو أسهم فيها بما استطاع، سرًّا أو علنًا. التحية لمن حوّل داره، أو متجره، أو مدرسته، أو مسجده إلى مأوى، ومستشفى ميداني، ومركز إغاثة، دون انتظار مقابل أو اعتراف. هؤلاء لم يكونوا جزءًا من مشهد الإغاثة فقط، بل كانوا خط الدفاع الأخلاقي الأخير عن المجتمع، وحصن الكرامة في وجه التفكك، وبرهانًا حيًا على أن السودان، رغم الخراب، لم يفقد روحه ولا قيمه. ففي زمن الحرب، لا تُقاس عظمة الشعوب بعدد جيوشها وحدها، بل بقدرتها على حماية إنسانيتها حين تنهار كل الأشياء.
إن اليوم الألف للحرب في السودان ليس محطة للحداد و الحزن وحدهما، بل هي ودون شك فرصة لابتدار لحظة وعي تاريخي. وعي بأن ما جرى لم يكن صدفة، وما استمر ألف يوم لم يكن بلا قصد. وهو، في الوقت ذاته، لحظة فاصلة بين مسارين؛ إما استكمال معركة استعادة الدولة على أسس وطنية عادلة، أو ترك الجراح مفتوحة لتعيد إنتاج العنف بأشكال أخرى. فالدول و المجتمعات لا تُقاس بطول حروبها، بل بقدرتها على الخروج منها أكثر وعيًا وصلابة. والسودان، وهو يعبر هذا اليوم الثقيل، لا يحتاج إلى شفقة العالم، بل إلى اعتراف بحقه في دولة آمنة مستقرة، وبحق شعبه في السلام، وبحق تضحياته أن تُتوَّج بوطن لا تحكمه المليشيات و لاتفرض عليه، ولا يُدار بالوكالة، ولا يُستنزف إلى ما لا نهاية.
السبت 10 يناير 2026م



