
لا أحد في سوبا لا يعرف مزرعة الأستاذ غازي سليمان.
الطريق إليها مظلم، خالٍ من معالم الوصف. الساعة تقترب من الثامنة والنصف مساءً.
الباب غير محكم الإغلاق، وغفير المزرعة ينبه إلى مكان موقف السيارات، ثم يواصل حديثه مع نفسه بعبارات غير مفهومة.
من باب المزرعة إلى المبنى السكني في الداخل، يمتد طريق شديد الإظلام.
كان في استقبال الزوار ابن غازي، الشيخ، الشاب النجيب الهمام.
وفي الداخل، كان جسد غازي المنهك يتمدد على السرير، والرجل الشجاع يقاوم بصبر وثبات مرضاً عضالاً.
لم يعد غازي سليمان يسكن نمرة (2) شمال غربي حديقة إشراقة التجاني.
خرج من قلب الخرطوم، من زحامها وغبارها وضجيجها، إلى هدوء مزرعته في سوبا، مؤانساً الخضرة والمياه.
بعد منتصف التسعينيات، في ذلك الحي الخرطومي الراقي، حيث المنازل محصنة بالأسوار العالية، والأسلاك الشائكة، والحراسات المشددة، كانت بوابة غازي سليمان مشرعة على مصراعيها لزوار الليل والنهار.
صواني الطعام لا تتوقف، وأكواب الشاي لا تفرغ إلا لتُملأ من جديد، ومجالس النقاش لا تنتهي إلا لتستأنف من أول السطر.
كان غازي سليمان عمدة نمرة (2)، وشيخ عرب السياسيين. وُلد في الراهبات، ويعتز بجده الشيخ حامد أب عصاية سيف. لم ينقطع منزله يوماً من الزوار: صحفيين، وسياسيين، وناشطين، ورجال أمن، يأتون إلى منزل زعيم معارضة الداخل بلا مواعيد، ويدخلون بلا استئذان.
لم تكن صحف الخرطوم آنذاك تخلو من أخبار وتصريحات غازي سليمان المثيرة للجدل. وكان الشهيد محمد طه محمد أحمد شديد الإعجاب به، يردد دائماً:
(غازي يواجه الحكومة بالكلمة لا بالسلاح، ولا ينبغي أن يضيق صدرها بأمثال غازي، حتى لا تدفع معارضيها إلى حمل السلاح).
كان غازي زاهداً في ملبسه ومأكله لا يرتدي سوى بنطاله الأبيض، وبدلته الكحلية ذات الحمالات المطاطية، ويقود بنفسه سيارة (بوكس) مزدوجة الكابينة.
يأكل بأطراف أصابعه، وإذا احتدم النقاش حلف بالطلاق، ثم يضحك مازحاً:
(أنا أم النصر بتي بتحلف بالطلاق).
كان سياسياً على طريقته الخاصة؛ طليق الرأي، جريئاً في المواقف، لا تقيده أوامر تنظيمية، ولا تلزمه جهة عليا أو خفية بخطوط طول أو عرض.
سياسي صاغته منابر جامعة الخرطوم، وحروب الجبال في إريتريا، وصراعات الانتخابات المهنية، ومعتقلات كوبر، ومحتجزات الإصلاحية في أواخر التسعينيات.
أبرز ما ميّز الأستاذ غازي سليمان، المحامي، شجاعته وقدرته على المفاجأة، إلى حد إرباك خصومه وحلفائه معاً. لا يمكن التنبؤ بردود أفعاله، ولا بخطواته التالية.
حين كانت الإنقاذ شديدة البأس بمعارضيها، تعاقبهم بقلب غليظ وأقدام ثقيلة، فخرج من خرج، وهاجر من هاجر، واختفى من اختفى؛ كان غازي سليمان، من مكتبه في السوق الأفرنجي، ومن منزله في نمرة (2)، يقود ضدها معارضة مدنية شرسة.
اعتُقل غازي مرات عدة، وتعرض للضرب أكثر من مرة. وحين قررت الحكومة توسيع هامش الحريات، وعادت المعارضة إلى البلاد بعد اتفاقيات قسمة السلطة والثروة، تنكر كثيرون لغازي. انضم إلى الحركة الشعبية، وحين لم يُتح له العزف المنفرد، غادرها عائداً إلى منصة الانطلاق التي بدأ منها.
كان رجلاً شجاعاً وجسوراً، خارج الأطر التنظيمية، يعبر عن نفسه بوضوح فادح؛ يوافق على بيّنة، ويخاصم على بصيرة.
شيئاً فشيئاً، خرج غازي من دائرة الضجيج السياسي. انتقل مكتبه من قلب الخرطوم، وغادر منزل نمرة (2) إلى مزرعة سوبا الحلة. وقرب سريره في أيامه الأخيرة، اجتمع من المعارضة والحكومة الدكتوران عبد الرحمن إبراهيم الخليفة وعلي قيدوب.
كنتُ، والصديق العزيز محمد عبد القادر، قريبين من السرير.
فتح غازي عينيه من غفوته مرحباً بنا، وعلى وجهه ابتسامة منتزعة من بؤرة الوجع، وخاطبني بطريقته المحببة:
(ضياء، إنت زي ولدي، بتعرفني كويس… هل شفت فيني حاجة كعبة؟)
فأجابت الدموع قبل الكلمات:
(حاشاك يا أستاذ!).
رحم الله الأستاذ غازي سليمان رحمة واسعة، وتقبله في الصالحين، وجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
*في ذكرى رحيله.




