
تشكلت السلطة في السودان عبر تأريخها الحديث وفق منظومة من التفاعلات السياسية والاجتماعية التي اتسمت بقدر كبير من التأثير الأيديولوجي، سواء كان هذا التأثير وطنياً نابعاً من داخل المجتمع أو عابراً للحدود مستورداً من الخارج. والأيديولوجيا، وفق تعريفها الكامل، هي نسق من الأفكار والمفاهيم والقيم والمعتقدات التي تسعى إلى تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية من خلال إطار فكري يقدّم حلولاً للواقع ويقترح رؤى للتغيير. وقد لعب هذا النسق الفكري دوراً محورياً في تشكيل منهج وإسلوب عمل الجماعات السياسية السودانية منذ ما قبل الاستقلال وحتى اللحظة الراهنة، حيث ظلّ متخذ القرار السوداني يتحرك في الغالب تحت تأثير منظومات فكرية متصارعة، بعضها تقليدي ديني، وبعضها حداثي علماني، وبعضها ثوري راديكالي، وكلها تتنافس على احتكار السلطة وفرض رؤيتها على الدولة والمجتمع.
منذ تشكّل الدولة السودانية الحديثة في عهد محمد علي باشا، مروراً بالثورة المهدية التي مثّلت أول حركة وطنية ذات طابع ديني أيديولوجي، ثم الحكم الثنائي الذي حمل معه النموذج الرأسمالي الغربي، ظل السودان ساحة تتقاطع فيها مشاريع فكرية متعددة. وبعد الاستقلال، لم تستطع النخب السياسية أن تتجاوز هذا الإرث، بل أعادت إنتاجه في شكل أحزاب طائفية، وأخرى يسارية، وثالثة قومية، ورابعة إسلامية، وكلها تبنّت تعريفات مختلفة للسلطة والدولة والمجتمع، لكنها اشتركت في سمة واحدة هي السعي لاحتكار القرار السياسي وإقصاء الآخر. وهكذا تحولت الأيديولوجيا من إطار معرفي يهدف إلى تفسير الواقع إلى أداة صراع تستخدم لتبرير السيطرة على الدولة.
هذا النمط من التفكير أنتج سلسلة طويلة من الأزمات. فقد شهد السودان حكومات ديمقراطية قصيرة العمر، تلتها انقلابات عسكرية متكررة، ثم ثورات شعبية، ثم عودة إلى المربع الأول. وفي كل مرحلة كانت العقلية الاحتكارية تعود بوجه جديد، لكنها تحتفظ بجوهرها القديم: السيطرة على الدولة باعتبارها غنيمة، وليس باعتبارها مؤسسة عامة. ومع كل دورة صراع، كانت الأيديولوجيا تُستخدم لتعبئة الجماهير، بينما تُستخدم السلطة لتصفية الخصوم، وتُستخدم الدولة لإدارة الولاءات، لا لإدارة التنمية. وقد أدى ذلك إلى انفصال الجنوب، واندلاع الحروب في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتراجع الاقتصاد، وتدويل القضايا الداخلية.
وفي الحاضر، ومع الحرب التي يعيشها السودان اليوم، يتجدد السؤال حول طبيعة السلطة بعد توقف القتال. فهل ستعود نفس العقلية الاحتكارية بمسميات جديدة، أم أن البلاد قادرة على إنتاج نموذج مختلف؟ إن قراءة الواقع تشير إلى أن كثيراً من الفاعلين السياسيين والعسكريين ما زالوا يتحركون وفق تعريفات قديمة للسلطة، تعريفات تقوم على السيطرة لا المشاركة، وعلى الولاء لا الكفاءة، وعلى الإقصاء لا التنافس. وحتى القوى الجديدة التي ظهرت خلال الحرب، رغم خطابها الإصلاحي، تبدو في ممارساتها أقرب إلى إعادة إنتاج ذات الهياكل القديمة، مما يهدد بإعادة تدوير الأزمة بدلاً من حلها.
لكن المستقبل لا يجب أن يكون امتداداً للماضي. فالسودان، رغم أزماته، يمتلك فرصة تاريخية لإعادة تعريف السلطة والدولة والمجتمع. ويمكن لهذا التعريف الجديد أن يقوم على مبادئ المواطنة، واللامركزية، والشفافية، وسيادة القانون، وتوزيع السلطة بدلاً من احتكارها. كما يمكن أن يقوم على إصلاح المؤسسة العسكرية لتصبح جيشاً قومياً واحداً، وعلى بناء نظام سياسي يمنع تغوّل حزب واحد أو جماعة واحدة على الدولة، وعلى إنتاج نخبة سياسية جديدة غير مرتبطة بالطائفية أو الأيديولوجيات الصدامية أو شبكات المصالح القديمة.
إن الخروج إلى بر الأمان يتطلب تغييراً في نمطية التفكير قبل تغيير الأشخاص. فالسودان لا يعاني من نقص في الموارد أو في التنوع أو في القدرة البشرية، بل يعاني من تعريف قديم للسلطة يرى الدولة ملكاً لا مسؤولية، ويرى الحكم غاية لا وسيلة. وإذا استطاع السودانيون أن يعيدوا تعريف السلطة باعتبارها خدمة عامة، وأن يضعوا مصلحة الدولة فوق مصلحة التنظيم، فإن السودان قادر على أن يبدأ من جديد، وأن يحوّل الحرب من نقطة انهيار إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف. أما إذا عادت نفس العقلية الاحتكارية بوجوه جديدة، فإن الحرب الحالية لن تكون سوى فصل آخر في سلسلة لم تنته بعد.
١٧ يناير ٢٠٢٦م





