الرواية الأولى

نروي لتعرف

فيما أرى / عادل الباز

تغريدات السبت

عادل الباز


1
وسالت مشاعر الناس جداول.

بالأمس فاضت المدرجات بالهتاف، وعطّرت الأجواء في الدوحة بزغاريد السودانيات. عرض من عرض، ورقص من رقص، وغنّى من غنّى… إلا أنّ دموع كل الناس ومشاعرهم سالت جداول. في كل لحن، في أي هتاف، في ثنايا الكلمات، في مساطب المدرجات، كنا نكتشف كم نحب هذا الوطن. نحن في السودان نهوى أوطاناً، وإن رحلنا بعيداً نطرّي خلّاناً.
لم تكن مباراة مع إخواننا اللبنانيين؛ كان يوماً لإعلان محبتنا للوطن، ولإعلان أننا شعب محب للحياة وقادر على صنعها. فُزنا صحيح، ولكن فوزنا الأكبر كان في تلك الصورة الزاهية التي ظهرنا بها في الملعب وخارجه.
ذلك اليوم لم نذهب فيه للكرة… بل ذهبنا للوطن.
في الخارج تدافع الآلاف منذ زمن باكر نحو استاد ثانى بن
جاسم بمحبة وشوق للوطن ، ليس لمشاهدة مباراة، وإنما لإعلان المحبة. يومها، داخل الاستاد، توحّدت صفوفنا وهتافاتنا وأعلامنا. ظللنا نهتف ونغني ساعات قبل المباراة وبعدها وأثناءها.وفي داخل الميدان، كان شبابنا يلعبون وكأنهم يستشعرون تفاصيل معركة الكرامة.
لم يكن يعنيهم النقص، ولا الطرد، ولا القلق الذي نحمله جميعاً في قلوبنا منذ أن شقّت الحرب صدر هذا الوطن. كانوا يلعبون بقدمٍ على العشب وقدمٍ على تراب السودان، كأن الملعب كله صار وطناً مؤقتاً، وكأن كل رفعة وكل تسديدة كانت تقول للعالم: «نحن هناقادورن على النصر وفعل المستحيل».
في تلك اللحظات، كان الوطن أكبر من المباراة.
وفي الخارج بعد نهاية المباراة ، احتضنتنا الدوحة بمحبتها في سوق واقف وطرقاتها الجميلة، اكتشف السودانيون مرة أخرى ذلك الخيط الذي يجمعهم مهما فرّقتهم المحن والخلافات. يومها لم نكن جماهير كرة… كنا وطناً يتنفس من جديد، يفرح رغم الجراح، ويبتهج رغم الفقد، ويصرّ رغم الألم على النصر. تلك الليلة كانت أكثر من مباراة… كانت مرآة رأينا فيها أنفسنا كما نحب أن نكون: شعباً يعرف كيف يصنع الحياة من بين الركام، وكيف يرفع رايته فوق كل انكسار، وكيف يهتف للوطن حتى وهو مثخن بالجراح.
وإن كان الفوز سجلاً في لوحة المباراة، فإن الصورة التي رسمناها في المدرجات وفي الشوارع وفي القلوب… هي الفوز الحقيقي الذي سيبقى.
1
سلك وسرديات التبرير

في الأسبوع الماضي، طالب خالد سلك البرلمان الكندي ألا يضغط على الإمارات، لأن ذلك ــ في رأيه ــ “سيرجّح الحل العسكري” ولأنه “سيؤدي لانتصار الطرف الآخر”!! انظروا كيف يتسفّل هذا المناضل، في وقت يقول فيه العالم كله إن الضغط على الإمارات لمنع تدفق السلاح هو العامل الأساسي لإيقاف نزيف الدم وإنهاء الحرب. لكن خالد يقرأ في صفحة أخرى من كتاب العمالة، حين لا يرجو لجيش بلاده ــ وهو الطرف الذي يقاتل ميليشيا الإمارات ــ أن ينتصر. يسوءه ذلك، ويقطع عيشه.
ثمّة مفارقة لا يخطئها العقل ولا يغفل عنها أي مراقب منصف: فحين تقول الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والاتحاد الأوروبي، والبرلمان الكندي نفسه، إن الضغط على الإمارات هو الطريق الوحيد لوقف شلال الدم، يظهر لنا خالد سلك ليقول إن الضغط على أبو ظبي “سيرجّح كفة أحد الطرفين”! أي طرف؟ الطرف الذي يقاتل بالوكالة عن الإمارات؟ أم الطرف الذي يقاتل دفاعاً عن تراب وطنه؟
يبدو أن خالد يقرأ نصوصاً أخرى، كتبها آخرون بحبر العمالة. فالرجل لا يخشى استمرار الحرب، بل يخشى انتصار الجيش، لأن ذلك الانتصار يقطع الطريق على تجارة المواقف التي يعيش عليها. ومن تعوّد أن يكون صدى لصوت غيره، يصعب عليه أن يسمع نداء بلاده.
الخيانة ليست رأياً… إنها موقف يسقط صاحبه قبل أن يسقط الوطن.
ومَن باعَ يوماً أرضَهُ وولاءَهُ
فَلَيْسَ عليهِ مِنْ دَناسةٍ حَجْبُ
3
النرويجي المحتال

قال المبعوث النرويجي المُرسَل، الذي بعث به سيّده بولس: «ليس هناك وثيقة أمريكية جديدة». وكان ذلك في تعقيب على حديث الرئيس البرهان، الذي قال فيه أمام قادة الجيش إن الرباعية بعثت بخطة جديدة أسوأ من الورقة الأولى… تدعو لتفكيك الجيش، وحل جهاز الأمن، وغيرها من الأوامر التي حوتها الرسالة.
أنكر المبعوث النرويجي أن يكون هناك أي مقترح جديد، وأكد أنها ذات مقترحات الرباعية التي قدمتها في سبتمبر وبذا يضعنا ذلك أمام ثلاثة احتمالات:
إما أن الرئيس كذب على شعبه وقادة جيشه،
أو أن الدجال بولس قد زوّر وثيقة بأمر من الإمارات دون علم بقية أطراف الرباعية، ولما انكشف أمره تراجع عنها وأرسل المبعوث النرويجي ليصلح ما أفسدته مؤامرته،
أو أن الرباعية كلها كانت على علم، وحين كشف الرئيس الأمر وتفجّرت قيامة الرأي العام، تراجعت وأرسلت النرويجي ليعتذر معللاً ما حدث بأنه “سوء فهم”.
وبالطبع، لا سبب يجعل الرئيس يكذب على شعبه، وهو الذي كان منخرطاً في مفاوضات مباشرة مع الأمريكيين. ولا يوجد “سوء فهم”، فالورقة لم تكن مكتوبة بالهيروغليفية. فيبقى الاحتمال الأقرب أن المحتال المأجور بولس قد تآمر مع الإمارات، وقدّم وثيقة أخرى لم تعلم بها السعودية ولا مصر.
لو كنت مكان الحكومة لنشرت الورقة التي قدّمها بولس وكشفت أمره، فما من سبب يجعل الحكومة تغطي على هذا المحتال. المطلوب فضحه، والقضاء عليه نهائياً بإبعاده من ملف السودان لا شيء أخطر من وسيط يتبنى مواقف خصمك ويدعى الحياد.
هكذا من مدرجات الدوحة، إلى البرلمان الكندي، إلى مؤامرة الرباعية… تتكشف ثلاثة وجوه :وجهٌ يهتف للوطن حتى تفيض العيون بالدموع ، ووجهٌ يبيع الوطن بثمن بخس، ووجهٌ يخادع ويحتال تحت اقنعة متعددة.
.

اترك رد

error: Content is protected !!