
تقول التسريبات – والعهدة على الرواة – إن هناك مقترحًا أمريكيا يتحدث عن معسكرات حول نيالا، باعتبارها نقاط تجميع، وخروج كامل للمليشيا من أي مكان سواها، والجيش أدرى:
هل هي نقاط تجميع مطابقة للمواصفات العسكرية، أم معسكرات مفتوحة على خطوط إمداد وتسليح وإخلاء جرحى؟ لاشعال الحرب مجددا بكذبة طلقة المدينة الرياضية؟
هنا المطلوب رأي عسكري لا سياسي.
من النقاط المثيرة للقلق أيضًا: الحديث عن دور الأمم المتحدة والشرطة السودانية بدلًا عن الجيش. هذا حديث ناقص ومضلل. يجب القول بوضوح إن الأذرع التي صنعتها المليشيا لا تُسمّى شرطة ولا نيابة؛ هم إما مرتزقة أو رهائن تم خطفهم وإجبارهم على أداء دور زائف.
مناطق المليشيا لا يوجد فيها أي نشاط قانوني مسموح به، ولا تُسمّى مناطق سيطرة أصلًا. المصطلح الصحيح هو مناطق انتشار المليشيا، وهو انتشار إجرامي، يشبه انتشار المافيا في صقلية، أو عصابات المخدرات في كولومبيا والمكسيك، حتى وإن وصلت هناك لمرحلة رواتب تقاعد لكبار المجرمين.
تبقى المليشيا مليشيا، والمافيا مافيا، والحرامي حرامي، وتبقى قحت قحت.
أخشى أن يؤدي أي تفريط في نيالا أو الفاشر إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ «مجلس ثوار نيالا»، أو تنسيقية كتائب الفاشر، كما ظهر مجلس ثوار بنغازي ومجلس ثوار طرابلس بعد إطلاق حفتر عملية الكرامة عام 2014، أو في التسويات الهشة.
مليشيات متطرفة أو جهوية، أو ذات حق، ظهرت في ليبيا بسبب الحلول الزائفة وسخط المقاتلين والقبائل.
كان متوقعًا في ليبيا أن ترضخ المدن سريعًا، لكن السيطرة على بنغازي احتاجت ثلاث سنوات تحت القصف والثأر، وفشل الأمر في مصراتة وطرابلس.
الحديث عن تخصيص أي مدينة لاحتضان معسكرات المليشيا قد يقود إلى مضاعفات تشبه استمرار الحرب، وربما أسوأ من الحرب ذاتها، هذه المدن لها اهلها وقبائلها والسلاح موجود.
من المحاذير الخطيرة أيضًا: ما هو دور الأمم المتحدة في الإشراف على الشرطة؟
هل نحن أمام وصاية تحت البند السابع؟
بصيغة أوضح: ما هو مخفي، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة، هو بند غير معلن يُسمّى «ستة ونص»؛ على الورق فصل سادس، وفي الحقيقة سبعة أو «سبعة إلا ربع».
نيالا، الفاشر، الجنينة، الضعين، زالنجي…
كل مدن دارفور لا تستحق المليشيا فيها ولا قطية.
هناك نقطة واحدة فقط يمكن قبولها في هذه التسريبات: أنها – مثل جدة – منصوص فيها على أنها وثيقة إنسانية وترتيبات أمنية، ولا تعترف بالمليشيا بصفة سياسية أو دستورية.
أنا مع التفاوض ومع الدبلوماسية، وقلت ذلك مرارًا:
إذا كان جائزًا عندي التفاوض مع تل أبيب، فكيف أرفضه مع نظام أبوظبي؟
وإذا جاز التفاوض مع مجرمين لإطلاق سراح رهائن، فيجوز التفاوض مع المليشيا لإطلاق سراح قرى كاملة محتجزة رهائن.
لكن هذا التفاوض نعرفه جيدًا:
هو لإنهاء التمرد، لا لشرعنة التمرد.
إذن العبرة ليست بعنوان التفاوض، بل بمحتواه.





