
بعد حوالي ثلاثة أعوام من بدايتها، بات من المؤكد أن الحرب في السودان لم تعد محصورة في حدودها الداخلية أو قابلة للتفسير ضمن سياق الصراع المحلي فحسب، بل أصبحت ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية تُدار فيها العمليات عبر وكلاء محليين وإقليميين، وتُبنى على شبكات دعم عابرة للحدود، تتداخل فيها عناصر الجغرافيا مع الحسابات السياسية والعسكرية، في مشهد يعكس انتقال الصراع من طوره الداخلي إلى مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن دولة الإمارات تمضي منذ فترة في تدريب عناصر من مليشيات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، حيث تجاوز عدد المتدربين 4300 عنصر، ضمن برنامج إعداد قتالي منظم ومدروس. وقد جرى تجهيز مهابط ومطارات في منطقتي أصوصا وبني شنقول القريبتين من الحدود السودانية، لتكون منصات لوجستية متقدمة تُستخدم في عمليات الإمداد العسكري بالعدة والعتاد، إلى جانب توظيفها كنقاط انطلاق للطائرات المسيّرة، سواء بعيدة المدى ذات الطابع الاستراتيجي، أو الانتحارية ذات الأهداف التكتيكية، لتحقيق أهدافها داخل الأراضي السودانية.
وقد تُوِّج هذا النشاط بالعمليات الأخيرة التي شهدها الأسبوع الماضي والتي امتدت لأكثر من أسبوع من القتال والاشتباك مع الجيش السوداني وتشكيلاته المساندة، وانتهت بسقوط مدينة الكرمك. وما ميّز هذه العمليات لم يكن فقط كثافتها أو طبيعة تسليحها، بل اتساع دائرة المشاركين فيها، حيث برزت مشاركة عناصر مرتزقة إثيوبية، وأخرى من جنوب السودان – يغلب عليها مقاتلو النوير – إضافة إلى قوات جوزيف توكا المتمردة، وهو ما يعكس نمطًا متصاعدًا من تدويل الصراع عبر قوى غير نظامية تعيش على اقتصاد الحرب.
إن قراءة هذه الوقائع تقود إلى ربطها بسياق أوسع؛ فالإمارات، بوصفها الممول الأول والراعي الأبرز لهذه المليشيات، تواصل انخراطها في الحرب رغم انشغالها بتحديات إقليمية أخرى، وعلى رأسها تداعيات المواجهة مع إيران، دون أن تُظهر أي مراجعة سياسية أو قانونية أو أخلاقية أو حتى عسكرية لمآلات تدخلها في السودان. كما أن نقل مركز الثقل القتالي نحو الجبهة الشرقية يعكس إخفاقًا في تحقيق الأهداف في الجبهة الغربية، ومحاولة لإعادة توزيع الضغط الاستراتيجي على الدولة السودانية.
وهو ما يؤكد أن الإمارات لم تُحسن التقاط العِبر أو استيعاب الدروس المستفادة من تورّطها في الشأن السوداني، كما يكشف عن إخفاقها سياسيًا وأخلاقيًا، إلى جانب فشلها العسكري في تحقيق أهدافها بأواسط وغرب السودان، الأمر الذي دفعها إلى إعادة إنتاج تكتيكاتها وترتيباتها القتالية، ولكن هذه المرة باتجاه الجبهة الشرقية، في محاولة لإعادة تشكيل مسرح العمليات وتعويض خسائرها السابقة.
وتكشف هذه التحركات عن تبنّي استراتيجية تقوم على توريط دول الجوار – إثيوبيا، جنوب السودان، تشاد، ليبيا – في مستنقع الحرب، بما يعيد إنتاج ما عُرف تاريخيًا باستراتيجية “شد السودان من أطرافه”، وهي مقاربة تستهدف إنهاك الدولة عبر تعدد الجبهات وتشتيت قدراتها، ويمكن توصيف هذا النمط أيضًا بأنه “شد السودان من خاصرتيه”. وهو ما يؤكد أن الاستهداف لا يرتبط بطبيعة النظام السياسي بقدر ما يستهدف السودان كدولة وشعب وموارد، خاصة في ظل ما يزخر به من ثروات طبيعية وإمكانات استراتيجية.
كما أن مشاركة بعض دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا، وقبلها تشاد وليبيا وإلى حدٍ ما جنوب السودان، في تقديم تسهيلات – سواء كانت ظاهرة أو مستترة – لدعم العمليات المرتبطة بالإمارات ومليشيات الدعم السريع المتمردة، تعكس مستوى من التورط المباشر أو غير المباشر لأنظمة الحكم في هذه الدول. وهو ما يكشف عن قصر نظر سياسي، وافتقاد للرؤية الاستراتيجية والعمق في تقدير المآلات، إذ إن الانخراط في مثل هذه الترتيبات لا يفضي إلا إلى ارتدادات عكسية تطال هذه الدول ذاتها، وتنعكس سلبًا على استقرارها الداخلي وأمن شعوبها على المدى المتوسط والبعيد، بما يثير كذلك إشكالات قانونية تتعلق بانتهاك مبدأ عدم التدخل ودعم الفاعلين غير الحكوميين وفق قواعد القانون الدولي.
وفي ضوء هذا المشهد، يُتوقع خلال الفترة القادمة تصاعد العمليات في الجبهة الشرقية، مع زيادة الاعتماد على الطائرات المسيّرة وتكثيف العمليات عبر الحدود، في محاولة لاستنزاف القوات المسلحة وإضعاف تركيزها العملياتي، مع تشتيت انتشارها واستنزاف كثافتها القتالية. غير أن انشغال الإمارات بملفات إقليمية أخرى يفتح نافذة زمنية يمكن للقيادة السودانية استثمارها لتحقيق نتائج ميدانية حاسمة، عبر الانتقال من وضعية رد الفعل إلى المبادرة، وإعادة ترتيب مسار العمليات بما يحقق تفوقًا نوعيًا على الأرض.
كل هذه المعطيات تقود إلى جملة من النتائج؛ أبرزها أن الحرب في السودان لم تعد نزاعًا داخليًا، بل صراعًا إقليميًا مركبًا، وأن استمرار تجاهل هذا البعد يحدّ من فاعلية المعالجة. كما أن تعدد الفاعلين غير النظاميين يفرض إعادة تقييم أدوات المواجهة، بما يشمل العمل الاستخباري، والتأمين الحدودي، والتنسيق الإقليمي.
وفي هذا النمط من الحروب، لا يكون استنزاف الدول نتيجة تعدد الجبهات فحسب، بل نتيجة النجاح في فرض شكل الصراع عليها. وما يجري اليوم لا يخرج عن محاولة شدّ السودان من أطرافه، وإعادة توزيع الضغط على خاصرتيه
وعليه، فإن التوصية الأهم تتمثل في ضرورة التعامل مع هذا الصراع ضمن إطار استراتيجي شامل، يدمج بين العمل العسكري الحاسم، والتحرك الدبلوماسي الفاعل لفضح شبكات الدعم الخارجي، وتفعيل المسارات القانونية الدولية، بالتوازي مع بناء جبهة داخلية متماسكة قادرة على الصمود والاستجابة.
ويظل السودان مستهدفًا في موقعه وموارده وشعبه، غير أن تجارب التاريخ تؤكد أن الدول التي تدرك بوعي طبيعة التهديدات المحيطة بها، وتُحسن إدارة معاركها، تكون قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة توازن جديد يعيد لها زمام المبادرة ويصون سيادتها ويعيد اعتبار موقعها في معادلات الإقليم بوزنه المستحق.
السبت 28 مارس 2026م


