الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين عجز القوة وغياب السياسة: إلى أين تتجه الحرب الإقليمية!؟

السفير د. معاوية التوم


تدخل المنطقة طورًا جديدًا من الاستنزاف المركّب، حيث لم تعد الحرب مقتصرة على ساحات محددة مثل غزة أو اليمن او العراق أو لبنان، بل باتت تطال بنية الدول نفسها، اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا. وفي ظل هذا التمدد، يتبدى عجزٌ عسكري واضح عن تحقيق الحسم، يقابله فراغ سياسي واستراتيجي يزيد من تعقيد المشهد بدلًا من تفكيكه.

من جهة، تواصل إسرائيل عملياتها دون أن تتمكن من تحقيق أهداف حاسمة في غزة أو تحييد التهديدات المتعددة في محيطها. ومن جهة أخرى، ترى إيران أنها تعرضت لـ”خديعتين” تفاوضيتين من الولايات المتحدة، ما يعزز قناعتها بأن التفاوض تحت النار ليس سوى أداة ضغط أو غطاء لفرض وقائع ميدانية. وبين هذا وذاك، يستمر القصف المتبادل بوتيرة شبه متماثلة، بما يعكس توازن ردع هش، لا يرقى إلى مستوى الحسم، ولا يسمح بالتهدئة.

مأزق إسرائيل: حرب بلا أفق
تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام معضلة مركبة: إيقاف الحرب الآن لا يحقق أهدافها المعلنة، واستمرارها لا يضمن تحقيق تلك الأهداف أصلًا. هذا المأزق يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فراغ استراتيجي، حيث تتآكل الخيارات بين كلفة الاستمرار وكلفة التراجع. فالحرب التي صُممت لتغيير قواعد الاشتباك، تحولت إلى عبء استراتيجي مفتوح، داخليًا وخارجيًا بارتدادات تتزايد يومياً.

إيران: التفاوض كفخ محتمل
في المقابل، تتعامل طهران مع أي مسار تفاوضي بحذر شديد، انطلاقًا من تجربة سابقة تعتقد أنها لم تُحترم. لذلك، فإن الانخراط في مفاوضات دون ضمانات حقيقية يُنظر إليه كتنازل مجاني، أو كمحاولة لاحتواء قدرتها على الردع. ومن هنا، يصبح التصعيد ولو المضبوط جزءًا من استراتيجية تحسين شروط التفاوض، لا بديلاً عنه.

التكتيك الأمريكي: إدارة الحرب لا حسمها
تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدير الحرب أكثر مما تسعى لإنهائها. فالتصعيد الجوي، بالتوازي مع التحشيد البري، لا يهدف بالضرورة إلى خوض حرب شاملة، بل إلى بناء أوراق ضغط سياسية، وتحميل إيران تبعات التصعيد في حال رفضت الاتفاق. وبهذا، تحاول واشنطن تحقيق معادلة دقيقة: الضغط دون الانزلاق، والتصعيد دون التورط، وتظل حسابا الخطأ واردة.

غير أن هذا التكتيك يواجه تحديات حقيقية؛ فالتعاطف الأوروبي ليس مضمونًا، في ظل الكلفة الاقتصادية وتهديدات الطاقة، كما أن العديد من دول الشرق الأوسط وآسيا تنظر بعين الشك إلى مشروعية أي حرب جديدة في المنطقة.

الجغرافيا كفاعل حاسم: هرمز وباب المندب
تُعيد الممرات البحرية الاستراتيجية فرض نفسها كلاعب مركزي في المعادلة. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة تهديد إيرانية، بل عامل ضغط عالمي على أسواق الطاقة، بينما يشكل باب المندب تهديدًا مباشرًا لحركة التجارة الدولية، خاصة بالنسبة لأوروبا وإسرائيل. وفي هذا السياق، يصبح أمن الملاحة مشروطًا بوقف إطلاق النار، لا بالتصعيد.

وساطات محدودة الأثر
التحرك الباكستاني وأطراف فاعلة بالمنطقة بما في ذلك الانفتاح على الصين– يعكس إدراكًا لخطورة الانزلاق نحو مواجهة أوسع، لكنه يظل محدود التأثير في ظل غياب توافق دولي وإقليمي شامل. فالأزمة لم تعد قابلة للحل عبر وساطة واحدة، بل تحتاج إلى شبكة معقدة من الضمانات المتبادلة.

الخليج: مفتاح التأثير الممكن
وسط هذا التعقيد، تبرز دول الخليج كأحد الأطراف القليلة القادرة على التأثير في القرار الأمريكي، بحكم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المتشابكة، وكذا هو تأثيرها على إسرائيل. غير أن هذا الدور يظل مرهونًا بمدى قدرتها على بلورة موقف موحد، والانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى سياسة صناعة التوازنات.

إلى أين تتجه؟ معادلة بلا حل عسكري
الواقع يشير بوضوح إلى أن الحسم العسكري غير ممكن في المدى المنظور، وأن استمرار الحرب سيؤدي فقط إلى تعميق الاستنزاف وتوسيع رقعة الانخراط الإقليمي. وفي المقابل، فإن التفاوض في ظل التصعيد يفتقر إلى الثقة، ما يجعله هشًا وقابلًا للانهيار.

الحل الممكن: من التصعيد إلى التبريد المرحلي
في ظل هذه التباينات، لا يبدو أن هناك “حلًا نهائيًا” قريبًا، لكن يمكن تصور مسار واقعي يقوم على:
1. تبريد مرحلي للصراع عبر تفاهمات محدودة لوقف إطلاق النار في الساحات الأكثر اشتعالًا.
2. ضمانات متعددة الأطراف (دولية وإقليمية) لتقليل فجوة الثقة، خاصة بين واشنطن وطهران.
3. فصل المسارات بحيث لا تبقى كل الجبهات رهينة لملف واحد.
4. إشراك القوى الإقليمية والدولية الفاعلة خصوصًا الخليج في صياغة الترتيبات الأمنية.
5. ربط الأمن البحري بالتسوية السياسية بدلًا من معالجته عسكريًا فقط.

خاتمة
المفارقة أن جميع الأطراف تدرك حدود القوة، لكنها تستمر في اختبارها. فالحرب، في صورتها الراهنة، لم تعد وسيلة لتحقيق الأهداف، بل أداة لتأجيل الاعتراف بعدم القدرة على تحقيقها. وبين الإصرار على المعركة والتفاوض بالقنابل وغياب أفق الحل ، تقف المنطقة على حافة استنزاف طويل، لن يُكسر إلا بقرار سياسي شجاع يعترف بأن ما لم يتحقق بالقوة، لن يتحقق بالمزيد منها سوى حصد المزيد من القتل والدمار، وسط الانتقادات الأمريكية المستمرة لأوربا والناتو !؟.
—————
٣١ مارس ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!