
في الصراعات المسلحة، لا يكون أخطر ما يُستهدف هو الجبهات العسكرية، بل المراكز السيادية.
والبنك المركزي ليس مؤسسة مالية فحسب، بل هو التعبير الأعلى عن وحدة الدولة وسيادتها النقدية.
حين تفقد الدولة احتكارها لإصدار العملة وتنظيم التدفقات المالية، فإنها تدخل طور الانقسام الفعلي حتى لو بقيت حدودها على الخرائط كما هي.
من هذه الزاوية يجب قراءة ما يسمى بتطبيق “بنك المستقبل” الذي ظهر في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع.
السيادة النقدية وجوهر الدولة:
السيطرة على النقد ليست إجراءً فنياً. إنها إعلان سيادة. البنك المركزي السوداني هو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار العملة، وتنظيم المصارف، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأي كيان مالي يعمل خارج هذا الإطار لا يمثل “مبادرة خدمية”، بل يمثل مساراً موازياً ينتقص من سلطة الدولة.
في مناطق النزاع، قد ينهار النظام المصرفي. لكن البديل الطبيعي هو إعادة البناء تحت مظلة الدولة لا إنشاء بنوك ظل تخضع لسلطة السلاح.
اقتصاد المليشيا؛ من السلاح إلى تدوير رؤوس الأموال:
مليشيا الدعم السريع لم تكن يوماً مجرد تشكيل عسكري، بل تطورت إلى نموذج اقتصاد حرب متكامل يقوم على ما يلى:
• السيطرة على مناجم الذهب في دارفور.
• شبكات تصدير غير خاضعة للرقابة.
• بنية مالية موازية.
• أدوات تحويل خارج النظام المصرفي الرسمي.
ظهور “بنك المستقبل” لم يكن حادثاً عابراً، بل تطوراً منطقياً في مسار بناء كيان “شبه دولة” داخل الدولة.
عندما تؤسس مليشيا تطبيقاً مالياً خارج إشراف البنك المركزي، فهي لا تعالج أزمة سيولة بل تؤسس لاقتصاد منفصل.
والاقتصاد المنفصل هو البنية التحتية لأي مشروع تقسيم سياسي.
الذهب؛ الرئة التي يتنفس منها اقتصاد الحرب:
قبل الحرب، كانت الإمارات أحد أكبر مستوردي الذهب السودانى، وهذا واقع اقتصادي سابق للصراع، غير أن غياب الرقابة المركزية في ظل الحرب يجعل مراكز تجارة الذهب الإقليمية الكبرى بوابات عبور محتملة لذهب غير خاضع للسيطرة الرسمية.
تقارير دولية — منها The Sentry وGlobal Witness — تحدثت عن شبكات مالية مرتبطة بقيادات في مليشيا الدعم السريع، تعمل عبر شركات مسجلة في الخارج، خصوصاً في دبي.
الإمارات تنفي دعمها للمليشيا.
لكن استمرار تدفقات الذهب خارج المظلة الرقابية للدولة السودانية يمنح اقتصاد الحرب شرياناً مالياً حيوياً، سواء بقصد أو دون قصد، والنتيجة واحدة، فكل دولار يدخل خارج إشراف الدولة يضعف مركزها السيادي.
تحذير البنك المركزي؛ دفاع عن خط السيادة الأخير:
حين حذر البنك المركزي السوداني من “بنك المستقبل” واعتبره كياناً غير مرخص ومخالفاً لقوانين مكافحة غسل الأموال، لم يكن ذلك إجراءً بيروقراطياً.
كان إعلان تمسك باحتكار الدولة لمجالها النقدي.
ثم جاء توقف التطبيق المفاجئ، وشكاوى المواطنين من فقدان الأرصدة، ليؤكد المخاطر البنيوية لأي كيان يعمل خارج الإطار القانوني.
في اقتصاد الحرب، لا توجد ضمانات، لا توجد حماية للمودعين، ولا توجد شفافية. هناك فقط سلطة القوة.
خطورة الأمر:
الخطر ليس في تطبيق. ولا في شركة تحويل. الخطر في تكريس واقع “مركزين ماليين” داخل دولة واحدة. تاريخ الدول يعلمنا أن الانقسام السياسي يبدأ غالباً بانقسام مالي، فخزينة هنا، وجباية هناك، ثم مسار نقدي منفصل، وشراكات خارجية غير خاضعة للرقابة، و أخيراً يتحول الانقسام إلى أمر واقع يصعب احتواؤه.
المعركة الحقيقية:
المعركة في السودان ليست فقط بين الجيش ومليشيا متمردة.
المعركة هي من يحتكر إصدار القيمة؟ ومن يملك مفاتيح التدفق المالي؟ ومن يتحكم في ذهب السودان؟
القوات المسلحة تقاتل على الأرض دفاعاً عن وحدة التراب الوطني.
لكن البنك المركزي يقاتل دفاعاً عن وحدة القرار السيادي.
وأي دعم خارجي — مباشر أو غير مباشر — لكيانات مالية موازية، هو مساهمة موضوعية في إضعاف الدولة، مهما كانت التبريرات.
فى بريد الحكومة السودانية:
استعادة السيادة المالية لا تقل أهمية عن استعادة السيطرة الميدانية. ويتطلب ذلك تحركاً متكاملاً على عدة مستويات:
أولاً: سياسياً:
• تأكيد احتكار الدولة الكامل لأي نشاط مصرفي أو نقدي.
• إصدار تشريعات طوارئ تنظم التعامل مع المنصات الرقمية غير المرخصة.
• دمج ملف الاقتصاد الموازي ضمن أولويات التعاون الإقليمي والدولي.
ثانياً: اقتصادياً ومالياً:
• إعادة تشغيل الفروع المصرفية في المناطق المستقرة تدريجياً.
• إنشاء قنوات تحويل رسمية منخفضة التكلفة لتقليل الاعتماد على البدائل غير النظامية.
• فرض رقابة صارمة على إنتاج وتصدير الذهب عبر آلية مركزية شفافة.
• تطوير نظام تتبع إلكتروني لسلاسل توريد الذهب من المنجم إلى التصدير.
ثالثاً: تقنياً:
• إطلاق منصة تحويل وطنية خاضعة للبنك المركزي تعمل حتى في ظروف ضعف البنية التحتية.
• اعتماد تقنيات تحقق رقمية وهوية مالية موحدة لمنع استغلال الفوضى المصرفية.
• تعزيز “الأمن السيبراني” للقطاع المصرفي بالتعاون مع شركاء دوليين.
رابعاً: أمنياً:
• تفكيك شبكات الجباية والتحصيل غير القانوني.
• ملاحقة الكيانات التي تدير مسارات مالية موازية داخل الأراضي السودانية.
• حماية منشآت الذهب ومناطق الإنتاج الاستراتيجية.
خامساً: إقليمياً ودولياً:
• طلب دعم فني من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
• التعاون مع مجموعة العمل المالي (FATF) لتتبع مسارات غسل الأموال.
• فتح قنوات مباشرة مع الدول المستوردة للذهب لضمان عدم استقبال شحنات غير معتمدة من البنك المركزي السوداني.
الخلاصة:
الدولة التي لا تحتكر مالها، لا تحتكر قرارها.
والدولة التى تتسامح مع مبدأ وجود نظامين ماليين، تمهد لقيام دولتين.
استعادة السودان لا تعني فقط استعادة المدن. بل استعادة الخزينة. فحين ينقسم البنك .. ينقسم الوطن.


