
إن إرضاء الآخرين ليس كله مذمومًا ولا كله محمودًا، فهو سلوك إنساني قد يحمل في طياته معاني الرحمة، التعاون، والإحسان، لكن الفارق الجوهري يكمن في الدافع والحدود التي تضبط هذا السلوك. فالإنسان بطبيعته اجتماعي، يميل إلى التقدير والتواصل، ويشعر بالرضا حين يكون سببًا في سعادة غيره، غير أن هذا السلوك حين يتجاوز حدوده الطبيعية ويتحول إلى قيد داخلي يفرض على صاحبه الاستجابة لما لا يريده، فإنه يخرج من دائرة السلوك الإيجابي إلى دائرة “متلازمة إرضاء الآخرين”.
إن الفارق بين الحالتين يكمن في أن إرضاء الآخرين بصورة صحية يكون منسجمًا مع قناعات الشخص ومعتقداته وقدرته وظروفه، فلا يشعر أنه يساوم على ذاته أو يتنازل عن ما يؤذيه أو يثقل كاهله. حين يقدّم الإنسان المساعدة، أو يوافق على أمرٍ ما لأنه يراه خيرًا ويستطيع تحمله، فإنه يعيش اتزانًا داخليًا، يرضى عن نفسه ويرضي غيره دون أن يخسر ذاته. هذا النوع من الإرضاء يعكس نضجًا ووعيًا، ويؤسس لعلاقات متينة قائمة على التبادل والاحترام المتبادل.
أما في حالة “متلازمة إرضاء الآخرين” فالمعادلة تختلف تمامًا، إذ يصبح الدافع هو الخوف من الرفض أو فقدان القبول، فيسعى الشخص إلى تلبية رغبات الآخرين حتى على حساب مشاعره واحتياجاته، بل قد يصل به الأمر إلى إهمال ذاته وطمس هويته خشية أن يقال عنه “رافض” أو “مخالف”. هنا لا يعود السلوك اختيارًا حرًا، بل يتحول إلى استجابة قسرية لضغوط داخلية وخارجية، فيتولد عنه استنزاف نفسي وبدني، وانكسار داخلي يتراكم مع الزمن.
ويتجلى أثر ذلك بوضوح في بيئات العمل والدراسة، حيث يصبح الشخص المثقل بإرضاء الآخرين عاجزًا عن قول “لا” لزملائه أو رؤسائه، مما يضاعف المهام على كاهله ويؤدي إلى تراجع كفاءته وإنتاجيته. كما أنه قد يتجنب طرح آرائه خوفًا من رفضها، فيفقد فرصة تطوير نفسه أو إثبات قدراته. وفي العلاقات الاجتماعية والعاطفية قد يتجلى الأمر بصورة أوضح، إذ تتحول العلاقة إلى عطاء أحادي الجانب يفقد فيها التوازن، فيشعر الطرف “المُرضي” بالاستنزاف بينما يتعود الطرف الآخر على الأخذ دون تقدير. هذه التراكمات تضعف الثقة بالنفس وتعمق الإحساس بالظلم الداخلي، وتؤدي في النهاية إلى فتور العلاقات أو انفجارها.
ولا يقتصر الأمر على اللحظة الراهنة فحسب، بل يمتد أثره إلى المستقبل، حيث يؤثر إرضاء الآخرين على القرارات المصيرية التي يتخذها الإنسان. فقد يختار مجالًا دراسيًا لا يحبه إرضاءً لعائلته، أو يقبل وظيفة لا تناسب قدراته من أجل رضا المجتمع، أو حتى يستمر في علاقة شخصية مرهقة خوفًا من نظرة الآخرين. هذه التنازلات المستمرة تصنع مسارًا حياتيًا لا يعكس حقيقة الشخص، فيستيقظ بعد سنوات وهو يشعر بالاغتراب عن ذاته، وكأن حياته صُممت بمعايير الآخرين لا بمعاييره الخاصة.
ومع ذلك، فإن التوازن لا يعني التشبث الدائم بالموقف أو الصمود أمام كل عاصفة، فالحكمة تقتضي أن ندرك أن هناك مواقف اضطرارية تستوجب الانحناء للعواصف وركوب الأمواج حتى تمر بسلام. ليس كل تنازل ضعفًا، ولا كل استجابة خضوعًا، بل قد تكون أحيانًا مهارة للبقاء وتجنب ما لا فكاك منه. والفرق بين هذا وذاك هو أن يكون الانحناء قرارًا واعيًا نابعًا من تقدير الموقف، لا استسلامًا أعمى نابعًا من خوف مزمن من الآخرين.
التمييز بين الحالتين ضروري لبناء حياة متوازنة؛ فأن ترضي الآخرين بقدر ما يتفق مع ضميرك وقدراتك هو سلوك صحي، يعكس نبلًا وكرمًا. أما أن تفقد صوتك ورغباتك الخاصة وتتحول إلى نسخة مصممة لتلبية ما يريده الآخرون فقط، فذلك ما يجعل حياتك أشبه بمسرح تُعرض فيه أدوار لا تعبر عن حقيقتك.
أن العطاء فضيلة ما دام لا يُفقدك ذاتك، وأن إرضاء الآخرين جمال ما دام لا يُحوّلك إلى ظلٍ باهت يذوب في رغبات غيره. فكن كريمًا بقدر، وحازمًا بوعي، ووازن بين ما تعطيه للآخرين وما تحفظه لنفسك، لأنك إن خسرت ذاتك فلن يبقى لديك ما تعطيه.