الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

المورد الاستراتيجي في قلب الصراع : الذهب السوداني والحرب الكبرى!؟

السفير د. معاوية التوم

مقدمة:


ُيعتبر الذهب السوداني شريانًا اقتصاديًا حيويًا، ليس فقط لما يدره من عملات صعبة ودعمه للموازنة العامة، بل لكونه أحد أعمدة السيادة الوطنية في زمن تتكالب فيه الأطماع الإقليمية والدولية على موارد البلاد. ومع تصاعد إنتاجه وتعدد مناطق استخراجه، تحوّل هذا المعدن النفيس إلى هدف مغرٍ لشبكات التهريب العابرة للحدود، التي لا تعمل بمعزل عن أجندات خارجية تسعى لتجفيف موارد البلاد و خزينة الدولة، وتمويل الصراعات وإطالة أمد الحرب. إن تهريب الذهب اليوم لم يعد جريمة اقتصادية فحسب، بل هو عدوان مباشر على الأمن القومي، وخرق سافر لحق السودان في الاستفادة من موارده. لذا فإن حماية هذا المورد الاستراتيجي تستوجب سن تشريعات رادعة، وإجراءات صارمة، وضوابط رقابية شاملة، مع تفكيك شبكات التهريب وحواضنها، وتجفيف منابع تدخل القوى الإقليمية في قطاع التعدين. إنها معركة سيادة بامتياز، لا تقل أهمية عن حماية الحدود والمواني والموارد الأخرى أو صون القرار الوطني وحماية هذا المعدن .
الذهب السوداني في مرمى التهريب الإقليمي
ليس سرًّا أن الذهب السوداني، بوفرة مخزونه وسهولة استخراجه نسبيًا، وقوة خصائصه، ظل لسنوات هدفًا مغريًا لشبكات التهريب العابرة للحدود. لكن ما تفجّر خلال سنوات الحرب الأخيرة كشف عن تورط جهات إقليمية – في شراء كميات ضخمة من الذهب السوداني عبر قنوات غير رسمية، وبشراكات مشبوهة مع مليشيات محلية ومجموعات مسلحة.
تشير تقارير دولية، بعضها صادر عن “Global Witness” و“The Sentry”، إلى أن جزءًا معتبرًا من الذهب السوداني يُهرَّب إلى بعض جوارنا الاقليمي وخارجه، حيث يجد ملاذًا آمنًا بعيدًا عن أعين الرقابة، ويُحوّل إلى سيولة تُعاد هندستها سياسيًا وأمنيًا في الداخل السوداني، لتمويل الحرب، وشراء الولاءات، وإطالة أمد الصراع، فيما تصعد هذا الأسواق في قائمة المجوهرات العالمية بمخزون أهل السودان ومواردهم .
ولا تتوقف شبكات التهريب عند الحدود الشرقية، بل يُعتقد أن شرق أفريقيا باتت ممرًا بديلًا للذهب المهرّب، عبر رحلات جوية خاصة أو شحنات تمر من بلدانها، وهو ما يدعو لضرورة حصر تصديره عبر بنك السودان وتحت إشراف الأجهزة الأمنية، الأمر الذي اتخذته الدولة موخرا، لتشكيل رسالة ضمنية إلى الأطراف الخارجية المنخرطة في هذه الشبكات، وما أكثر الطامعين في جوار البلاد والاقليم وخارجه كما ظلت فاغنر الروسية.

الإنتاج والتسريب:

السودان حقق خلال السنوات الماضية قفزة ملحوظة في إنتاج الذهب، ففي عام 2024 سجّل إنتاج البلاد نحو 64 طنًا، مقارنة بـ 41.8 طنًا في 2022، ما يمثّل ارتفاعًا بنسبة تزيد عن 50% . وقد بلغ إجمالي صادرات الذهب القانونية في ذلك العام ما بين 27.96 طنًا بقيمة 1.59 مليار دولار وفقًا لشركة الموارد المعدنية السودانية، و22.92 طنًا بـ1.57 مليار دولار حسب بيانات بنك السودان المركزي .
لكن الإنتاج الرسمي لا يعكس الواقع الكامل؛ إذ تشير تقديرات متعددة إلى أن 50% إلى 80% من إنتاج الذهب يتم تهريبه خارج البلاد عن طريق شبكات غير رسمية، تاركًا الدولة تخسر مليارات الدولارات سنويًا . وتقارير أخرى تقدِّر أن تهريب الذهب قد يصل إلى تمويل خسائر تقارب 7 مليارات دولار سنويًا، ويقدّر البعض أن مجمل الإنتاج في عام 2024 قد بلغ حوالي 80 طنًا بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، اي اكثر من نصف موازنة البلاد، معظمها خارج نطاق السيادة الاقتصادية للدولة .
هذه الأرقام تبرز أهمية تعزيز الرقابة وتنظيم قطاع الذهب في السودان، لضمان أن تؤتي هذه الثروة الغنية ثمارها للشعب والدولةواحتياجاتها بعيداً عن التهريب والإثراء غير المشروع
الدولة السودانية: السيادة تبدأ من تحت الأرض
السيادة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها فوق الأرض وفضائها، بل تبدأ من إحكام سيطرتها على ثرواتها الكامنة في باطنها. وفي السودان، حيث تختزن الأرض معادن نفيسة ونفط وموارد استراتيجية، تصبح حماية هذه الثروات وتأمين إدارتها الوطنية أولوية قصوى لضمان الاستقلال السياسي والاقتصادي. فالتفريط في ما تحت الأرض هو تفريط في القرار الوطني، وفتح لباب التدخلات الأجنبية والتهريب المنظم، بينما إحكام السيطرة عليها بالقوانين، والتقنيات الحديثة، والرقابة الصارمة، والمصافي الوطنية هو الخطوة الأولى لترسيخ سيادة الدولة وضمان مستقبل أجيالها
لذا فان توجيه الأوامر للقوات المختصة، بمداهمة مواقع التعدين غير الشرعي، ضرورة تعني أن مرحلة التحذير انتهت، وأننا أمام حملة أمنية عسكرية وشرطية ومالية متزامنة، لا تستهدف المنقبين الاجانب والخارجين عن القانون فقط، بل الشبكات التي تقف خلفهم، في الداخل والخارج.
ضرب مراكز النفوذ غير الرسمي اولوية قصوى:
لابد من ضرب مراكز النفوذ غير الرسمي لأنها تمثل دولة موازية تنخر في جسد الدولة الشرعية، وتتحكم في مسارات القرار الوطني والموارد خارج إطار القانون والمؤسسات. (الدعم السريع نموذجا)هذه المراكز، سواء كانت شبكات اقتصادية طفيلية، او جوكية أو مجموعات مسلحة، أو تحالفات مصالح داخلية مرتبطة بأجندات خارجية، تشكل الخطر الأكبر على بناء دولة مستقرة وذات سيادة. تفكيكها ليس عملاً أمنياً فحسب، بل مشروع إصلاحي شامل يدمج التشريعات الصارمة، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، حتى لا يبقى في السودان سوى نفوذ واحد: نفوذ الدولة الوطنية الخاضعة لرقابة الشعب والقانون وأدواته وآلياته.
فالدولة بحاجة لتفكيك الاقتصاد الموازي الذي نشأ على هامش الحرب ومن قبلها، وتغذّى على فوضى الذهب. فقد تمددت في السنوات الأخيرة شركات غامضة، وتجار بلا سجلات، وتحالفات قبلية مسلحة، تسيطر على مناطق إنتاج الذهب وتحمي طرق تهريبه.
وبينما كانت الدولة تُقصى قسرًا عن المشهد الاقتصادي، تكوّنت منظومة تهريب إقليمية–محلية معقدة، تدير مليارات الدولارات سنويًا خارج إطار الموازنة العامة.لذلك، فإن ضرب هذه المنظومة ليس مجرد تنظيم لقطاع التعدين، بل استعادة للسيادة الاقتصادية، ومحاولة لإعادة إدماج الذهب ضمن دورة الدولة الرسمية.


التوقيت والرسائل:

نقول بذلك في هذا التوقيت ليس اعتباطا. فالدولة تخوض معركة مصيرية على أكثر من جبهة، وتحتاج إلى قطع شرايين التمويل عن المتمردين وتجار الحروب ، وإرسال رسائل واضحة للفاعلين الإقليميين والدوليين بأنها بصدد بسط هيبتها على كامل أراضيها ومواردها.
وفي الوقت ذاته، فإن مثل هذا التوجه بحمل رسالة سياسية للأطراف الاقليمية والدولية : أن زمن تهريب الذهب السوداني بلا ثمن قد انتهى، وأن الدولة لن تسمح بتحويل مواردها إلى أداة لإطالة أمد الحرب وتغذية الانقسامات وحملة السلاح لنسف استقرار البلاد.

خاتمة : الذهب بوابة للسيادة أو مدخل للفوضى

يبدو أن السودان دخل مرحلة جديدة، حيث تتحول الثروات الطبيعية إلى أدوات صراع مباشر على السيادة. فإما أن يُدار الذهب بعقل الدولة وبعيون الشعب، والرقابة الامنية والإعلامية أو يُترك نهبًا لشبكات التهريب العابرة للحدود.
وما لم يتحول نهجنا إلى حملة فعلية مدروسة، مصحوبة بإصلاح تشريعي، وتوفير بدائل للمنقبين التقليديين، وتعاون حقيقي مع الدول الإقليمية في ضبط الحدود، فإن الحرب على الذهب قد تتحول إلى ساحة نزاع جديدة، داخل الحرب الكبرى المفتوحة و التي لم تضع أوزارها بعد.
هذا الإضاءة مجرد تنبيه ودق لناقوس الخطر، وحفز سياسي وأمني في ثوب اقتصادي، يُعبّر عن رغبة في انتقال الدولة إلى مرحلة إعادة ضبط مواردها الاستراتيجية بقوة القانون وسلطانه ، في سياق صراع مركب يشمل الميدان، والثروات، والسيادة، يؤكد على أهمية هذا المورد الحيوي وحقه في انشاء منظومة اقتصادية أمنية متطورة ومتكاملة، خاصة به، مدركة لأبعاده الاستراتيجية وتبعاته وتحدياته ..تقف على أسس تعدينه وتنظيم امتيازاته وصناعته واسواق بيعه ومطلوبات تصديره وترقية قطاعه وصون قيمته وتحقيق أقصى الفائدة من ورائه .

اترك رد

error: Content is protected !!