العين الثالثة / ضياء الدين بلال

المهندس الشاعر الذي جمع ناصر وفيصل: محمد أحمد محجوب مهندس اتفاق اليمن

ضياء الدين بلال

31 أغسطس 1967 – رجل يحمل شهادتين، واحدة في الهندسة المعمارية وأخرى في القانون، قد يكون مؤهلاً أكثر من غيره لبناء الهيكل الدقيق لاتفاق بين دول عربية متصارعة أيديولوجياً.

ورئيس وزراء السودان محمد أحمد محجوب يملك بالفعل هذا النوع من التأهيل؛ فقد مارس المهنة في المجالين معاً، وأثبت أنه سياسي قادر وصبور.

وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم نجح محجوب في جمع الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك السعودي فيصل على اتفاق يُتوقع أن يضع نهاية للحرب المستمرة منذ خمس سنوات في اليمن.

ففي وقت متأخر من الليلة الماضية توجه الزعيمان إلى منزل متواضع نسبياً في ضواحي الخرطوم قام محجوب بتصميمه بنفسه. وبعد ساعتين وخمس عشرة دقيقة من المباحثات توصلا إلى اتفاق يقضي بأن تسحب مصر قواتها من اليمن الجمهوري، بينما توقف السعودية دعمها العسكري لليمن الملكي.

بدأ رئيس الوزراء السوداني، البالغ من العمر 59 عاماً، مساعيه لإنهاء أحد أكبر الخلافات في العالم العربي في يوليو الماضي، بعد عودة القادة العرب من الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الشرق الأوسط. وكانت تلك الاجتماعات قد انتهت دون تحقيق أي تقدم في مساعيهم لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو.

وفي الأول من أغسطس سافر محجوب إلى القاهرة للقاء عبد الناصر، الذي قال عنه محجوب بلهجة دبلوماسية ودودة إنه أبدى حسن نية بقبوله أي “اقتراح معقول”.

ثم توجه في 20 أغسطس إلى جدة للقاء الملك فيصل، كما قال، “من دون صيغة تسوية مسبقة، بل فقط بأفكار حول كيفية معالجة المشكلة.”

وأضاف محجوب:
“أبدى فيصل أيضاً قدراً كبيراً من حسن النية، وبعد محادثاتنا كتبت بعض الاقتراحات بقلم رصاص في مكتب الملك. ثم طُبعت هذه المقترحات على ورق رسمي يحمل شعار المملكة، وأصبحت أساس الاتفاق الذي أُبرم الآن.”

وقال إنه حمل تلك الاقتراحات إلى القاهرة، حيث أبدى عبد الناصر مرة أخرى حسن النية وقبلها، قبل أن تُستكمل التفاصيل النهائية في الخرطوم.

وأشار محجوب إلى أن أحد نجاحات المفاوضات كان السرية التامة التي أحاطت بها، قائلاً: “كل ما كتبته الصحافة عن الموضوع كان بعيداً تماماً عن الحقيقة.”

وعندما سُئل إن كان نشر معلومات غير دقيقة أمراً خطيراً، أجاب: “على العكس، لقد كان ذلك عوناً كبيراً لي.”

وقد شكل التوصل إلى الاتفاق، إلى جانب انعقاد القمة العربية في الخرطوم في الوقت نفسه، انتصاراً سياسياً مهماً لرئيس الوزراء السوداني.

فالقومية العربية تمثل ورقة انتخابية مهمة في السودان، الدولة الواقعة في أقصى جنوب العالم العربي، والتي يقطنها عرب من أكثر الشعوب العربية سُمرة، إضافة إلى وجود أكبر أقلية غير عربية داخل جامعة الدول العربية.

ومن خلال هذه المبادرة أثبت محجوب أن السودانيين عرب كاملو الانتماء، وأن الخرطوم عاصمة عربية يجتمع فيها الملوك والرؤساء، كما أثبت أنه لاعب مؤثر في الشؤون العربية.

وإلى جانب عمله في الهندسة والقانون والسياسة، يُعرف محجوب أيضاً بأنه شاعر وكاتب باللغة العربية، وغالباً ما يُدعى لقراءة مختارات من دواوينه الشعرية.

وقد كتب مع أحد أقاربه مجموعة قصص قصيرة بعنوان “موت دنيا” يقول إنها ذات طابع سير ذاتية تستعيد ذكريات شبابه وبدايات حياته.

بدأ محجوب نشاطه السياسي عام 1946 سكرتيراً عاماً لـ الجبهة الاستقلالية، لكنه استقال من الجمعية التشريعية عام 1947 بعد أن هُزم اقتراح قدمه يدعو إلى الحكم الذاتي للسودان بحلول عام 1956. وقد تحقق ذلك بالفعل عندما نال السودان استقلاله في 1956.

ومنذ ذلك العام وحتى انقلاب 1958 العسكري شغل منصب وزير الخارجية. وبعد الانقلاب نُفي إلى جنوب السودان بسبب معارضته للحكم العسكري. وبعد ست سنوات، عندما سقط النظام العسكري، عاد مرة أخرى وزيراً للخارجية، ثم أصبح رئيساً للوزراء في العام التالي في ظل حكومة حزب الأمة.

ويستند حزب الأمة إلى طائفة الأنصار، أكبر الطوائف الإسلامية في السودان، التي أسسها الإمام المهدي الذي قاد الثورة ضد الحكم البريطاني المصري وهزم وقتل الجنرال تشارلز غوردون عام 1885.

وقد عززت نجاحات محجوب الأخيرة على الساحة العربية مكانته السياسية، وهو يستثمرها جيداً. فهو رجل ودود يتمتع بجاذبية شخصية، وغالباً ما تضم مائدة غدائه نحو اثني عشر ضيفاً، كثيراً ما يُدعون للبقاء لمجرد وجودهم في المكان.
ورغم سهولة الوصول إليه وطبعه اللطيف – إلا نادراً عندما يتخذ نبرة ساخرة حادة – فإنه يعيش حياة بسيطة في منزل متواضع للغاية وفق المعايير الغربية لبيوت الوزراء.

ورغم حماسه الشديد للقومية العربية، فإنه يُنظر إليه على أنه صديق للغرب وللولايات المتحدة ضمن حدود موقعه السياسي.

ويبدو أنه لم يحمل ضغينة تجاه الولايات المتحدة رغم أنها لم تدعمه عام 1958 عندما كان مرشح الكتلة العربية لرئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ دعمت واشنطن آنذاك شارل مالك الدبلوماسي اللبناني المسيحي الذي فاز بالمنصب.

وفي التعامل مع الخلافات العربية الصعبة يظهر محجوب قدرة واضحة على التهدئة والوساطة. ففي مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي سبق القمة العربية الحالية بدأ الوزير السوري إبراهيم ماخوس خطاباً حاداً، فاستدعاه محجوب جانباً وأقنعه بالتوقف عن الكلام.

وكان محجوب في شبابه لاعباً منتظماً للتنس والاسكواش، لكنه يقول إنه لم يجد وقتاً لحمل المضرب منذ ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري.

وفي السياسة، كما في الوساطة بين القادة العرب، يواصل محمد أحمد محجوب العمل بصبر وهدوء ظاهرين. (صحيفة نيويورك تايمز)

اترك رد

error: Content is protected !!