المتغيرات في ساحة الحرب الثلاثية بعد شهر: نحو اتساع إقليمي أم ضبط إيقاع الصراع؟

بعد مرور شهر على اندلاع المواجهة الثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، لم تعد الحرب مجرد تبادل للضربات أو رسائل ردع متبادلة، بل تحولت إلى مسار مركب تتداخل فيه الأهداف العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. فالتصريحات الأخيرة المنسوبة لنائب الرئيس الأمريكي، والتي تفيد بأن إدارة ترامب ستمضي في “استمرار العمل العسكري على طهران لفترة أطول ، 11 الف هدف وطلعة قتالية أميركية ، حتى لا تضطر الي عمل مماثل مستقبلاً أو تعود للمواجهة لاحقًا”، كما يقول نائب الرئيس . وهذا يعكس تحولا من منطق الاحتواء إلى منطق “الردع الوقائي”، وهو تحول يحمل في طياته مخاطر توسيع رقعة الصراع.
في المقابل، فإن دخول جماعة أنصار الله الحوثيين على خط التصعيد بإطلاق صواريخ جديدة باتجاه إسرائيل ، يؤشر إلى أن مسرح العمليات لم يعد محصورًا في الخليج أو حدود إيران وإسرائيل، بل بدأ يتسع ليشمل مسارات بحرية واستراتيجية حساسة، بما في ذلك البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يهدد بإعادة تشكيل معادلة الأمن الإقليمي بأكملها.
أولًا: من الردع إلى الاستنزاف المنضبط
ما يجري حاليًا لا يشبه الحروب التقليدية ذات الحسم السريع، بل يقترب أكثر من نموذج “الاستنزاف المنضبط”. الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد ترك إيران تلتقط أنفاسها أو تعيد بناء قدراتها دون كلفة. لذلك، فإن الضربات المحدودة، والتصعيد المحسوب، والتلويح المستمر بالقوة، كلها أدوات ضمن استراتيجية تهدف إلى إنهاك الخصم دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
إيران، من جانبها، تدير المعركة بأدوات غير مباشرة، عبر حلفائها في الإقليم، لتفادي ضربة قاصمة على أراضيها، مع الحفاظ على قدرة الردع. وهذا ما يفسر تفعيل جبهات متعددة بشكل متدرج، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر.
ثانيًا: إسرائيل واستراتيجية إطالة أمد الحرب
تلعب إسرائيل دورًا مختلفًا نسبيًا في هذا المشهد، إذ تميل إلى إطالة أمد المواجهة لتحقيق هدفين: الأول، استنزاف القدرات الإيرانية وحلفائها، والثاني، ترسيخ صورة التهديد الإيراني كخطر دائم، بما يبرر استمرار العمليات العسكرية.
لكن هذا التوجه لا ينسجم تمامًا مع الحسابات الأمريكية، التي تخشى من كلفة الحرب المفتوحة على مصالحها، خصوصًا في ظل التوتر في أسواق الطاقة، والضغوط الداخلية. ومن هنا يظهر التباين بين حليفين يتحركان في نفس المعركة، لكن بأهداف زمنية مختلفة.
ثالثًا: اتساع رقعة الانخراط الإقليمي
تفعيل ورقة النفوذ الاقليمي بعودة الحوثيين ودخولهم على خط المواجهة ليس حدثًا معزولًا، بل يمثل مؤشرًا على احتمال اتساع رقعة الانخراط الإقليمي، وربما امتد للتأثير على الحركة الملاحية بباب المندب وتبعاتها. فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات انخراط أطراف أخرى، سواء بشكل مباشر أو عبر الوكلاء.
هذا الاتساع يحمل عدة مخاطر:
• تهديد خطوط الملاحة الدولية، خاصة في البحر الأحمر والخليج.
• زيادة الضغط على دول الخليج، التي تجد نفسها بين مطرقة التهديدات الأمنية وسندان كلفة الطاقة.
• احتمالية انتقال الصراع إلى مسارح جديدة، بما في ذلك شرق المتوسط.
رابعًا: الطاقة كسلاح غير مباشر
لا يمكن فصل التصعيد العسكري عن التحولات في أسواق الطاقة. فكل تصعيد في الخليج أو تهديد للمضايق البحرية ينعكس فورًا على الأسعار، وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط غير مباشرة، حتى دون إغلاق فعلي للممرات.
في المقابل، تحاول الولايات المتحدة وشركاؤها احتواء هذا الأثر عبر تعزيز الإمدادات، لكن قدرة السوق على امتصاص الصدمات تبقى محدودة إذا استمر التصعيد أو اتسع.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
في ضوء هذه المتغيرات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. التصعيد المتدرج (الأرجح):
استمرار الضربات المحدودة وتوسيعها جغرافيًا بشكل محسوب، مع تجنب الحرب الشاملة. هذا السيناريو يطيل أمد الأزمة ويرفع كلفتها تدريجيًا.
2. الانفجار الإقليمي:
انخراط أطراف جديدة بشكل مباشر، أو وقوع خطأ في الحسابات يؤدي إلى مواجهة واسعة، وهو سيناريو عالي الكلفة لكنه يظل قائمًا.
3. العودة إلى المسار الدبلوماسي:
تحت ضغط الكلفة الاقتصادية ومخاطر الانزلاق، قد تعود الأطراف إلى طاولة التفاوض، لكن بشروط جديدة تعكس موازين القوة التي أفرزتها المواجهة.
خاتمة: بين حافة الهاوية وضبط الإيقاع
الحرب الثلاثية تقف اليوم عند مفترق طرق دقيق: فهي لم تعد مجرد صراع عسكري، بل اختبار لقدرة الأطراف على إدارة التصعيد دون فقدان السيطرة. الإصرار على تحقيق الأهداف المتحركة، وتحديد مفهوم النصر مقابل التأقلم الإيراني مع توجهات وتصريحات واشنطن، وتحركات طهران، ودور الفاعلين الإقليميين، كلها تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة “اللا حسم”، حيث تستمر المواجهة دون نهاية واضحة، لكن مع مخاطر دائمة بالانزلاق.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى الحقيقة الأبرز أن كلفة الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل باتت اقتصادية واستراتيجية، تمس استقرار الإقليم والعالم، بأسره، وتجعل من أي خطأ في الحسابات شرارة محتملة لتوسع لا يمكن احتواؤه بسهولة.
—————
٢٩ مارس ٢٠٢٦ م


