القيادة السودانية ترسم معالم الحسم: بين تفكيك التمرد وتعزيز صمود الدولة!؟

في خطابٍ اتسم بالوضوح والحسم، وضع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ملامح المرحلة المقبلة في معركة الدولة السودانية المسماة بالكرامة ، ضد التمرد، محددًا سقف التسوية وحدودها، وراسمًا معادلة تقوم على الحسم العسكري مقرونًا بفتح أبواب العفو الفردي، لا الشراكة السياسية مع حملة السلاح.
هذا الخطاب لا يمكن قراءته كتصريح عابر، بل هو بيان استراتيجية. فحين يؤكد القائد العام أن «لا حلول سوى القضاء على التمرد أو استسلامه»، فهو ينقل المعركة من دائرة الاحتمالات الرمادية إلى مربع الوضوح الكامل: لا هدنة تعيد التموضع، لا اتفاق يمنح شرعية للسلاح خارج الدولة، ولا تسوية تُكافئ من اختار فوهة البندقية طريقًا للسلطة، وكلف البلاد هذه الفاتورة الباهظة في الأرواح والممتلكات .
الحسم كمدخل للاستقرار
التجارب الإقليمية القريبة تُظهر أن أي تسوية تُبقي على قوة عسكرية موازية للدولة لا تنتج استقرارًا، بل تؤسس لجولات صراع لاحقة. من هنا، فإن تبني خيار الحسم لا يعكس نزعة تصعيدية بقدر ما يعكس قراءة استراتيجية لمخاطر ترك “جسم مسلح خارج السيطرة” داخل السياج الوطني.
إن الدولة التي تقبل بازدواج السلاح، تقبل ضمنًا بازدواج السيادة. ولذلك فإن الإصرار على إنهاء التمرد ليس مجرد هدف عسكري، بل هو استعادة لمبدأ احتكار الدولة للقوة، وتعريف الأزمة وهو جوهر أي نظام سياسي قابل للحياة.
تفكيك التمرد لا استئصال المجتمع
في مقابل الحزم تجاه القيادة المتمردة، حمل الخطاب رسالة مغايرة تجاه المقاتلين الذين وصفهم بأنهم “مغرر بهم”. هنا تتضح صيغة تفكيك ذكية: عزل القيادة، واستيعاب القواعد. ففتح أبواب الصفح والعفو لا يضعف موقف الدولة، بل يقويه، لأنه:
1. يبعث برسالة طمأنة اجتماعية تقلل دوافع الاستمرار في القتال.
2. يفتح مسارات انسحاب آمن تقلل كلفة المعركة.
3. يعزز صورة الجيش كحامٍ للوطن لا كطرف انتقامي.
هذه المعادلة – الحسم في القمة، والاحتواء في القاعدة – تُسرّع عملية التفكك الداخلي للتمرد، وتحوّل ميزان المعركة تدريجيًا لصالح الدولة دون توسع غير ضروري في الكلفة البشرية.
الرسالة السياسية… إعادة ضبط الاصطفاف
لم يكن الخطاب عسكريًا خالصًا؛ فقد وجّه البرهان رسالة واضحة للفاعلين السياسيين، مؤكدًا أن “الأبواب مشرعة” لمن يبدي رغبة صادقة في العودة إلى صوت الوطن. وهذه إشارة إلى أن المعركة ليست فقط ميدانية، بل أيضًا معركة سردية وشرعية وطنية.
فالسياسة في زمن الحرب إما أن تكون سندًا للدولة، أو تتحول – بقصد أو دون قصد – إلى غطاء لإطالة أمد الصراع. ومن هنا فإن الدعوة لإعادة التموضع السياسي تمثل محاولة لإغلاق الفضاء الذي تتغذى منه الدعاية المعادية، وتجفيف البيئة التي تمنح المتمردين شرعية خطابية خارج الميدان.
وفي المقابل، حمل الخطاب تحذيرًا من التمادي في الاتهامات أو الاصطفاف العدائي، ما يعني أن مرحلة “الرمادية السياسية” تقترب من نهايتها، وأن الاصطفاف الوطني الواضح بات ضرورة لا ترفًا، هدف منه تحييد من غرر بهم.
أثر الخطاب على الروح المعنوية
في الحروب الممتدة، تلعب الرسائل القيادية دورًا حاسمًا في تثبيت الجبهة الداخلية. الوضوح في الهدف، وتحديد مسار النهاية، عنصران أساسيان في رفع الروح المعنوية للقوات والمجتمع على حد سواء.
الخطاب أعاد تعريف الهدف الاستراتيجي بصورة مباشرة: دحر الميليشيا، تطهير البلاد، ثم إعادة اللحمة الوطنية. هذا التسلسل يمنح المقاتل وضوحًا في المهمة، ويمنح المواطن أفقًا للنهاية. وحين تتطابق الإرادة السياسية مع الإرادة العسكرية، تتعزز قدرة الجيش على الصمود، لأن المعركة تصبح معركة وطن لا مؤسسة فقط.
بين الحسم والشرعية الدولية
قد يرى البعض أن لغة الحسم تُصعّب فرص التسوية السياسية المدعومة دوليًا. غير أن الواقع يُظهر أن المجتمع الدولي يتعامل في نهاية المطاف مع الوقائع الميدانية. وكلما اقترب ميزان القوة من الحسم لصالح الدولة، زادت فرص فرض شروطها في أي ترتيبات لاحقة.
بعبارة أخرى، الحسم لا يغلق باب السياسة، بل يعيد تشكيله من موقع قوة. والتاريخ الحديث يثبت أن الدول التي تستعيد سيطرتها على كامل أراضيها هي الأقدر على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وفرض أجندة إعادة الإعمار والإصلاح وفق محدداتها وقبليتها للديمومة ، وان ذات الأيادي المخلصة هي من تحرسها.
رابعاً: ما بعد الحسم… إعادة بناء العقد الوطني
غير أن السؤال الجوهري يبقى: ماذا بعد الحسم؟ إن تفكيك التمرد عسكرياً لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة. فالمعركة الحقيقية ستبدأ في مرحلة إعادة المؤسسات المدنية قبل الإعمار البنيوي ، وإصلاح القطاع الأمني، وتقوية البناء القومي للجيش بأسس مهنية موحدة، وتفكيك المليشيات، وإطلاق مسار عدالة انتقالية يعالج جذور المظالم.
القيادة، إن أرادت تحويل النصر العسكري إلى استقرار دائم، مطالبة بإعادة صياغة العقد الوطني على أسس مدنية ديمقراطية، تُشرك القوى السياسية والمجتمعية في صياغة مستقبل البلاد. فالدولة التي تصمد في الحرب يجب أن تتسع في السلم، وإلا أعادت إنتاج أزماتها، وكررت القوالب القديمة المتكلسة.
خاتمة
ترسم القيادة السودانية اليوم معالم حسمٍ مزدوج: حسمٌ عسكري لتفكيك التمرد واستعادة احتكار السلاح، وحسمٌ مؤسسي لتعزيز صمود الدولة ومنع انهيارها. وبين هذين المسارين تتحدد ملامح المرحلة القادمة.
إن نجاح هذا النهج مرهون بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين القوة والشرعية، بين السيادة والانفتاح، وبين ضرورات الحرب ومتطلبات السلام. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء تمرد، بل إلى استعادة دولة قادرة، عادلة، وموحدة — دولة لا تنتصر في الميدان فحسب، بل تنتصر في بناء مستقبلها .
في ضوء ما تقدم، فإن معالم الحسم التي ترسمها القيادة السودانية لا تنفصل عن الموقف السيادي الذي عبّرت عنه وزارة الخارجية في بيانها الأخير رداً على تصريحات مسعد بولس. فقد جاء البيان واضحاً في رفض أي مقاربات تتجاوز مؤسسات الدولة أو تضع التمرد في موضع الندية مع القوات المسلحة، مؤكداً أن الأزمة في جوهرها تمردٌ مسلح على سلطة شرعية، لا نزاعٌ سياسي بين طرفين متكافئين.
البيان لم يكتفِ بالاعتراض على توصيفات خارجية، بل أعاد تثبيت الإطار المرجعي للصراع: سيادة وطنية غير قابلة للمساومة، واحتكار مشروع للسلاح بيد الدولة، ورفضٌ لأي حلول تُكافئ العنف أو تمنح غطاءً سياسياً لواقع فُرض بالقوة. وفي ذلك انسجامٌ مباشر مع رؤية القيادة للحسم، التي ترى أن أي مسار تفاوضي لا يقوم على إنهاء التمرد وتجريده من سلاحه سيظل مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلاً جذرياً لها.
وهكذا يتكامل المساران: مسارٌ ميداني يسعى إلى تفكيك البنية العسكرية للتمرد، ومسارٌ دبلوماسي يذود عن السردية الوطنية في المحافل الدولية، ويرفض إعادة تعريف الصراع بما يُضعف مركز الدولة أو يُشوّش على شرعيتها. فالمعركة، في جوهرها، ليست فقط معركة أرض وسلاح، بل معركة توصيف ومشروعية وإرادة سياسية.
إن القيادة السودانية، وهي تخوض هذا المنعطف الحاسم، تبدو معنية بإيصال رسالة مزدوجة: للداخل بأن الدولة باقية وقادرة على استعادة زمام المبادرة، وللخارج بأن السودان ليس ساحة مفتوحة لإملاءات أو تصنيفات تنتقص من سيادته. وبين تفكيك التمرد وتعزيز صمود الدولة، يتبلور مشروع استعادة الدولة لمركزها، لا بوصفها طرفاً في صراع، بل بوصفها الإطار الجامع الذي لا يقوم بدونه استقرار ولا سلام.
————///—-
٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م


