
في السياسة الإقليمية، لا تُقاس التحركات بسياقها التاريخى فقط، بل بتزامنها ودلالاتها. وما جرى يوم ٦ يناير ٢٠٢٦ في القرن الأفريقي لا يمكن قراءته بوصفه صدفة دبلوماسية عابرة؛ إذ تزامنت زيارة شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي إلى أديس أبابا، مع زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا عاصمة إقليم أرض الصومال.
هذا التزامن لا ينفصل عن مسار طويل من التحركات الإماراتية في الإقليم، مسار يكشف عن انتقال واضح من دور الشريك الإقليمي إلى دور المهندس السياسي الذي يسعى لإعادة تشكيل الجغرافيا عبر تفكيك الدول الهشة وتحويلها إلى كيانات وظيفية.
إثيوبيا: خطاب ناعم وأجندة خشنة:
في أديس أبابا، قدّمت الإمارات خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا عن الشراكة والتنمية والاستقرار، شمل ملفات الأمن والمناخ والاقتصاد، مع تركيز متكرر على البحر الأحمر وتداعيات الحرب في السودان. لكن هذا الخطاب، عند فحصه خارج سياقه الإعلامي، يبدو أقرب إلى غطاء سياسي لتحركات أعمق وأكثر عدوانية.
فأبوظبي تدرك هشاشة التوازنات الإثيوبية-الإريترية، كما تدرك حاجة إثيوبيا المزمنة إلى منفذ بحري ودعم مالي خارجي. وهنا لا تعمل الإمارات كوسيط استقرار، بل كلاعب يسعى إلى تثبيت موطئ قدم دائم في قلب القرن الأفريقي، حتى لو جاء ذلك على حساب توازنات إقليمية قائمة بالفعل.
أرض الصومال: عندما يصبح الصمت مشاركة:
في التوقيت نفسه، جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى إقليم أرض الصومال كخطوة تصعيدية صريحة، تتجاوز الأعراف الدبلوماسية، وتضرب مبدأ سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية في الصميم. ورغم عدم إعلان اعتراف قانوني مكتمل، فإن الرسالة السياسية كانت لا لبس فيها: التعامل مع إقليم أرض الصومال كدولة بحكم الأمر الواقع.
غير أن الخطير في المشهد لم يكن التحرك الإسرائيلي وحده، بل الصمت الإماراتي المتعمد، ورفض أبوظبي الانخراط في أي موقف عربي جماعي حازم يرفض هذه الخطوة. صمت لا يمكن تفسيره بالحياد، بل بالموافقة الضمنية، إن لم تكن الشراكة غير المعلنة.
سجل لا يمكن تجاهله:
هذا الصمت لا يأتي من فراغ، بل ينسجم مع سجل إماراتي طويل من الاستثمار المنهجي في الكيانات الانفصالية وشبه الدول:
▪️في اليمن: عدن و سوقطرى.
▪️في ليبيا: شرق البلاد خارج سلطة الدولة.
▪️في الصومال: بربرة و أرض الصومال.
فالإمارات، التي تُكثر من الحديث عن “احترام سيادة الدول”، هي نفسها التي بنت قاعدة عسكرية في بربرة، وأدارت الموانئ خارج سلطة مقديشو، وفتحت قنوات سياسية واقتصادية مباشرة مع سلطات الأقاليم بمعزل عن الدولة المركزية.
النتيجة: خطاب وحدوي للاستهلاك الدولي، وممارسة تفكيكية على الأرض.
“الاعتراف الصامت”: سياسة بوجهين:
الحديث عن “اعتراف صامت” لم يعد توصيفًا تحليليًا مجازيًا، بل وصفا لسلوك سياسي مزدوج. فعدم توقيع الإمارات على بيانات الإدانة، وتسهيل التعامل مع وثائق صوماليلاند، والاستمرار في ضخ الاستثمارات العسكرية واللوجستية، كلها شواهد على أن أبوظبي ترى في تفكك الصومال فرصة استراتيجية لا عبئًا سياسيًا.
هنا لا تدافع الإمارات عن الاستقرار، بل عن نموذج نفوذ قائم على الموانئ والقواعد، لا على الدول والمؤسسات.
تحالف المصالح: الإمارات وإسرائيل على خط واحد:
التقاطع الإماراتي-الإسرائيلي في القرن الأفريقي ليس تحالف قيم أو مبادئ، بل تحالف مصالح صريح، يقوم على:
- ▪️السيطرة على الموانئ وخطوط الملاحة.
- ▪️التحكم في ممرات الطاقة.
- ▪️مواجهة أدوار إقليمية منافسة مثل تركيا وقطر.
- ▪️تطويق النفوذ الإيراني.
هذا التحالف لا يحتاج إلى إعلان رسمي؛ فهو يظهر في تزامن التحركات، وتشابه الأهداف، وتقسيم الأدوار بوضوح لا تخطئه العين.
من السودان إلى القرن الأفريقي: النتيجة واحدة:
في السودان، دعمت الإمارات قوى سعت عمليًا إلى تفكيك الدولة وإطالة أمد الصراع تحت لافتة “مواجهة الإسلام السياسي”.
وفي اليمن، انتهى الأمر بدعم كيانات جنوبية مسلحة أضعفت الدولة المركزية.
واليوم، يتكرر السيناريو نفسه في القرن الأفريقي: تشجيع كيانات ما دون الدولة، وترسيخ واقع جيوسياسي جديد تُدار فيه المنطقة بالموانئ والقواعد لا بالسيادة والحدود.
استقرار مزيف وفوضى مؤكدة:
المفارقة أن هذا النهج يُسوَّق باعتباره ضمانًا للاستقرار، بينما هو في حقيقته وصفة مؤكدة للفوضى طويلة الأمد. فإضعاف الدول لصالح كيانات وظيفية قد يحقق مكاسب تكتيكية سريعة، لكنه يفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي، ويحوّل القرن الأفريقي إلى ساحة تصادم دائم بين القوى الإقليمية والدولية.
خاتمة: السؤال الذي لا تريد أبوظبي طرحه:
القرن الأفريقي اليوم يقف عند مفترق طرق خطير: إما أن يُترك ليُعاد تشكيله كمنطقة نفوذ مفتوحة تُدار من الخارج عبر الموانئ والقواعد والميليشيات، أو أن تدرك دول الإقليم، ومعها القوى العربية المركزية، أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن كبح هذا المسار التفكيكي أصبح ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.
السؤال الحقيقي لم يعد هل تعيد الإمارات رسم خرائط النفوذ؟
بل إلى أي مدى ستُترك لتعيد رسم خرائط الدول؟



