
د. إبراهيم الكرسني و د. الواثق كمير
ينابر 2026
“فساد السرور“… واستبصار المآلات!
مع نشوب الحرب الأخيرة (في وعلى السودان)، لجأت لإعادة قراءة الكثير من الأبحاث والكتب التي تناولت التحولات التي شهدها السودان منذ رفع العلم الوطني صباح الأول من يناير 1956، ومن ضمنها دراسة (الفساد.. العامل الخامس للإنتاج في السودان)، التي صدرت في العام 1984 باللغة الإنجليزية.
لا يملك المرء إلا الإشادة بالشجاعة التي قادت باحثين شابين لخوض هذه “المغامرة” في فترة تُعد من أحلك أيام نظام مايو، إذ شهدت تلك السنوات تصاعد عنف الدولة ضد مواطنيها، ومطاردة وسجن وتعذيب المعارضين، وإعدام الأستاذ/ محمود محمد طه، لمخالفته سياسات النظام، الذي رفع شعارات الإسلام والعدالة والنزاهة بينما تكشف الدراسة ضلوع رموزها في الفساد وترسيخه.
كذلك، فإن موضوع الدراسة نفسه شائك ومن الصعوبة بمكان دراسته،كما توضح مقدمة الدراسة.
مرت أكثر من أربعة عقود منذ إعداد هذه الورقة البحثية، وانتشار وتعمق الفساد بحيث لم يعد بروز اسم السودان ضمن أكثر الدول فساداً في التقارير الدولية مستغرباً. وعندما تُقارن الفساد و”بلاويه” في الوقت الحاضر بتلك الفترة التي تتناولها الدراسة، لا تستطيع منع نفسك من القول: “فساد السرور”!
مع ذلك، فإن ما يجعل هذه الدراسة جديرة بالترجمة والقراءة الآن، في تقديري، هو منهجها، وسعيها للانتقال من “المجرد إلى المحدد”؛ أي امتحان وصقل النظرية عبر دراسة الواقع المحدد.
يسهم منهج الدكتور إبراهيم الكرسني والدكتور الواثق كمير في دراسة الفساد ضمن منظومة مجتمعية متكاملة Societal ، وليس بوصفه ظاهرة ترتبط بالقيم أو الأخلاق فحسب، في إضاءة جوانب مهمة في كيفية النظر إلى الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ودراستها وفهمها.
بهذا المنهج، نرى الفساد “انعكاساً للتطور التاريخي المحدد للمجتمع السوداني”، وذلك “دون إغفال العوامل الذاتية التي تُسهم بدور ثانوي لكنه مهم”. كما يحدد الباحثان الدور الذي يقوم به الفساد في التشكل الطبقي للمجتمع السوداني.
يكاد المرء يعتقد أن الباحثان استخدما “كرة بلورية” لاستبصار مآلات الفساد؛ إذ ترى الورقة أن الشريحة الطفيلية، التي تتفادى النشاطات الإنتاجية، تُركز على السيطرة على جهاز الدولة، كونه دافعة مهمة لديمومتها.
ومع سعي هذه الشريحة للحصول على القليل المتبقي من الفائض الاقتصادي، يزداد التناقض والصراع بين مصالح الشريحة الطفيلية للرأسمالية وبقية الطبقات…، فيصبح “اللجوء للعنف والقمع السياسي ضرورياً للتعامل مع مترتبات الصراع بين الشريحة الطفيلية للرأسمالية السودانية وحلفائها مع بقية المجتمع السوداني”.
ولست بحاجة للقول إن هذه الخلاصات، التي توصلت إليها الدراسة في 1984، هي ما نعيشه على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
إيهاب خيري
يناير 2026





