العلاقات السودانية – المصرية: كيف تُصنع الفجوة الشعبية؟ ومن يربح من تعكير المياه ..؟

في أوقات الاضطراب، تميل النقاشات العامة إلى البحث عن خصم واضح، وغالبًا ما يكون هذا الخصم هو الأقرب. هكذا تتحول العلاقات بين الشعوب، لا سيما المتجاورة والمتداخلة تاريخيًا، إلى ساحة إسقاط لغضب لا صلة له بجوهر العلاقة نفسها.
خلال الفترة الأخيرة، شهد الفضاء الرقمي موجات من التراشق اللفظي بين سودانيين ومصريين، حملت اتهامات متبادلة، وسرديات متناقضة، وشائعات أثارت قلقًا حقيقيًا بشأن مستقبل العلاقات الشعبية بين البلدين. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما كُتب أو مَن أساء، بل بما هو أعمق:
هل نحن أمام خلاف شعبي حقيقي، أم أمام توتر مُصنَّع تُغذّيه ظروف وضغوط وأجندات تتجاوز المواطنين العاديين؟
المنصات الرقمية كمرآة لا كمصدر:
يعد الإعلام مرأة و نافذة، فهو مرأة نرى فيها أنفسنا، ونافذة يرانا من خلالها الأخر و نراه.
ما يجري في الفضاء الرقمي لا يُمكن اعتباره أصل الأزمة، بل انعكاسًا لها. فالعلاقات السودانية – المصرية، الممتدة عبر التاريخ والجغرافيا والمصاهرة والتجارة، لم تُبنَ على المجاملات، ولن تنهار بسبب منشورات غاضبة، لكنها – كغيرها – تتأثر حين تتراكم الضغوط دون إدارة رشيدة.
اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣ دفع بموجات كبيرة من السودانيين إلى مصر، بوصفها الوجهة الطبيعية الأقرب والأكثر ارتباطًا. هذا النزوح الكثيف تزامن مع ضغوط اقتصادية ملموسة تمر بها مصر كغيرها من الدول فى النسق الإقليمى و الدولى، فارتفعت فيها حدة التنافس على السكن والخدمات والفرص المحدودة، وبدأت مشاعر التذمر تجد طريقها إلى الخطاب الشعبي.
في مثل هذه الأجواء، يصبح تداول القصص الصادمة – الصحيحة أو المختلقة – أسرع من تداول الحقائق، وتتحول المنصات الرقمية إلى مساحات لتفريغ الإحباط، لا للنقاش الموضوعى.
جذور التوتر: الاقتصاد حين يتقاطع مع الإشاعة:
من منظور سوداني، برزت خلال الأشهر الماضية روايات عن مضايقات، وعنصرية، وترحيل قسري، بعضها استند إلى وقائع فردية، وبعضها الآخر اتضح لاحقًا أنه مبالغ فيه أو غير صحيح، كما في حالات تداول أخبار عن وفيات أو إساءات ثبت نفيها رسميًا أو عبر الجالية السودانية نفسها.
في المقابل، سادت داخل قطاعات من المجتمع المصري سرديات تربط بين الوجود السوداني والضغط على الاقتصاد والخدمات، وعُززت هذه السرديات بشائعات، من بينها اتهامات بتخزين سلع مدعمة أو استغلال منظومة الدعم، وهي اتهامات جرى نفيها رسميًا مصريا.
المشكلة هنا لا تكمن في اختلاف الروايات، بل في تحول الظروف الاقتصادية الضاغطة إلى توتر هوية مهدد، وهي نقطة شديدة الخطورة، لأن الغضب حين يفقد بوصلته، يصبح مادة خام قابلة للتوجيه.
المستفيد من الشقاق: الدعم السريع وشبكة المصالح الإقليمية:
حين نبحث عن الطرف الذي يستفيد من أي فجوة شعبية بين السودان ومصر، لا نجد الإجابة في منشور أو وسم، بل في ميزان الصراع داخل السودان نفسه.
مليشيا الدعم السريع، المنخرطة في حرب مفتوحة مع الجيش السوداني، لديها مصلحة مباشرة في إضعاف أي تقارب سوداني – مصري، ولو على المستوى الشعبي. فمصر تُعد أحد أهم الداعمين الإقليميين لاستقرار الدولة السودانية ووحدة مؤسساتها، وأي توتر مع الخرطوم يخدم، بصورة غير مباشرة، السرديات التي تتغذى عليها المليشيا.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن شبكة دعم إقليمية أوسع، في مقدمتها الإمارات، التي تضج تقارير دولية وإعلامية متعددة بتورطها في تقديم دعم سياسي ولوجستي وعسكري لمليشيا الدعم السريع. هذا الدعم، مهما كانت مبرراته المعلنة، أسهم عمليًا في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص الحل، وأعاد تشكيل التوازنات داخل السودان على حساب الدولة ومؤسساتها.
في هذا السياق، يصبح التوتر الشعبي مع مصر أداة سياسية غير مباشرة: تشتيت للانتباه، وتغذية لسرديات عدائية، وتحويل الغضب من مركز الصراع الحقيقي إلى علاقات تاريخية لا ذنب لها.
بين التنظيم والكرامة: ضرورة التمييز:
من المهم، من موقع المسؤولية، التأكيد على مسألتين دون تناقض:
١- أن أي إساءة أو معاملة غير لائقة يتعرض لها سودانيون في مصر مرفوضة أخلاقيًا وقانونيًا، ولا يجوز تبريرها.
٢- اعتبار تنظيم الإقامة وإدارة الوجود الأجنبي شأن سيادي لأي دولة، ولا يصح تلقائيًا تفسيره كاستهداف سياسي أو قومي.
الخلط بين الأمرين هو أحد أخطر أبواب الاستثمار في الغضب.
نحو علاقة سودانية – مصرية محصّنة:
العلاقات بين الخرطوم والقاهرة لا تحتمل أن تُدار بردود الفعل أو الضجيج العابر، والمطلوب المأمول الذى يرقى لمستوى العلاقات الثنائية هو الأتى:
١- بناء علاقة استراتيجية مؤسسية قائمة على المصالح المشتركة المتبادلة والمتكافئة.
٢- تعزيز التعاون الاقتصادي كحاجز عملي أمام التوترات.
٣- دعم الروابط المجتمعية والثقافية بوصفها عمقًا واقعيًا لا شعاريًا.
٤- دور إعلامي واعٍ يفرّق بين النقد المشروع والتضليل المتعمد.
خاتمة:
ما نشهده اليوم ليس صراع شعوب، بل اختبار وعي.
اختبار لقدرتنا على التمييز بين الألم الحقيقي والتوظيف السياسي للألم.
العلاقات السودانية – المصرية أعمق من أن تُختزل في غضب رقمي، وأهم من أن تُترك رهينة لمن يعرفون جيدًا كيف يصنعون الفجوات ثم يمرّون من خلالها، وهنا تكمن “الكتلة الحرجة”.



