
في موضع سابق في هذه الزاوية تناولنا أهمية المضايق الاستراتيجية بوصفها مفاتيح للنظام البحري العالمي، وكيف يمكن لتهديد إغلاق ممر حيوي مثل مضيق هرمز أن يهز الاقتصاد العالمي بأكمله. وأشرنا إلى أن الولايات المتحدة تعتمد في حماية حرية الملاحة على حضور بحري متقدم، مستندة إلى عقيدتها الاستراتيجية التي ترى في السيطرة على البحار شرطاً أساسياً للحفاظ على النفوذ العالمي.
اليوم، ومع تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، يبرز بعد إضافي في هذه المعادلة، هو السيطرة الجوية. فحرية الملاحة في المضايق لا تتحقق بالقوة البحرية وحدها، بل تحتاج إلى غطاء جوي قادر على تحييد التهديدات الساحلية والصاروخية، ومنح الأساطيل حرية الحركة في بيئة عمليات آمنة نسبياً.
تعريف المفاهيم الأساسية:
لفهم ما يجري، من المفيد التمييز بين ثلاثة مفاهيم عسكرية متقاربة:
١- السيادة الجوية:
الحق القانوني الدائم للدولة في التحكم في المجال الجوي فوق إقليمها في السلم والحرب.
٢- التفوق الجوي:
قدرة قوة عسكرية على تنفيذ عملياتها الجوية والبرية والبحرية مع تقليص قدرة الخصم على التدخل في مسرح العمليات الجوي.
٣- السيطرة الجوية (الهيمنة الجوية):
المستوى الأعلى من التفوق، حيث يفقد الخصم القدرة الفعالة على العمل في المجال الجوي، فتتحرك القوات الجوية للطرف الآخر بحرية شبه كاملة.
التصريحات الأمريكية: هدف الهيمنة الجوية:
خلال الأيام الأخيرة صدرت تصريحات أمريكية لافتة تعكس طبيعة الهدف العسكري الحالي.
فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الولايات المتحدة تتوقع الوصول إلى “سيطرة كاملة ومطلقة” على المجال الجوي الإيراني خلال فترة قصيرة، بما يسمح بتنفيذ عمليات جوية مستمرة على مدار الساعة ضد أهداف محددة.
كما صرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجيست بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تحقيق مجال جوي “غير منازع” فوق إيران خلال أيام، مشيراً إلى أن العمليات تركز أساساً على شبكات الدفاع الجوي والبنية الصاروخية.
ومع أن مثل هذه التصريحات قد تحمل بعداً دعائياً أو نفسياً في سياق الحرب، فإنها تعكس بوضوح العقيدة العملياتية الأمريكية التي تبدأ عادة بتحييد المجال الجوي للخصم قبل أي تحرك بحري أو بري واسع.
الموقف الجوي الحالي:
تشير المعطيات العملياتية خلال الأيام الأولى من الحملة إلى أن التطورات الميدانية تسير في الاتجاه الذي تحدثت عنه التصريحات الأمريكية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، حيث تمكنت القوات الأمريكية والإسرائيلية من تحقيق تفوق جوي محلي في أجزاء واسعة من إيران، خاصة في الجنوب وعلى امتداد الساحل المطل على الخليج، بما في ذلك المنطقة القريبة من مضيق هرمز. وقد تحقق هذا التفوق خلال نحو أربعة إلى خمسة أيام من بدء العمليات.
كما أفادت تقارير عسكرية وإعلامية بإعلان سيطرة جوية شبه كاملة فوق طهران منذ بداية شهر مارس، بالتوازي مع تدهور واضح في منظومة الدفاع الجوي الإيرانية، بما في ذلك بعض الأنظمة بعيدة المدى مثل S-300، نتيجة الضربات المتكررة على الرادارات ومراكز القيادة.
وتشير تقديرات أولية إلى انخفاض كبير في وتيرة الهجمات الصاروخية الإيرانية، حيث تراجعت بنسب قُدرت بما يتراوح بين ٨٦ و٩٠ في المائة مقارنة بالأيام الأولى من المواجهة، وذلك بعد استهداف واسع لمنصات الإطلاق ومخازن الصواريخ.
في الوقت نفسه، نفذت الطائرات والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية ضربات عميقة داخل الأراضي الإيرانية استهدفت بنية الدفاع الجوي والرادارات ومنصات الصواريخ، إضافة إلى بعض الأهداف البحرية، مع تقارير عن تدمير أكثر من ١٧٠٠ هدف عسكري حتى الآن.
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن هيمنة جوية كاملة بنسبة ١٠٠ في المائة على كامل الأراضي الإيرانية، نظراً لاتساع الجغرافيا الإيرانية واعتماد طهران على منصات صاروخية متنقلة وشبكات دفاعية موزعة. لكن المعطيات الحالية تشير إلى مستوى من السيطرة الجوية يكفي عملياً لتأمين العمليات العسكرية فوق الخليج ومضيق هرمز بدرجة كبيرة.
دروس التاريخ: كيف تُحسم السماء:
التاريخ العسكري الحديث يقدم نماذج واضحة على سرعة حسم المعركة الجوية عندما يتوافر التفوق التكنولوجي، و من النماذج البارزة على ذلك ما يلى:
١- حرب الخليج ١٩٩١، حيث حقق التحالف الدولي تفوقاً جوياً شبه كامل خلال أقل من يومين من بدء العمليات.
٢- عملية القوة المتحالفة – كوسوفو ١٩٩٩، حيث فرض حلف الناتو سيطرة جوية واسعة مع تنفيذ ضربات دقيقة من ارتفاعات عالية.
٣- غزو العراق ٢٠٠٣، حيث تحققت السيطرة الجوية منذ الساعات الأولى للحملة العسكرية.
إلا أن الحالة الإيرانية تختلف نسبياً عن هذه النماذج، نظراً لاتساع الجغرافيا الإيرانية وتوزع الدفاعات الجوية واعتماد طهران على منصات صاروخية متنقلة، وهو ما يجعل تحقيق الهيمنة الجوية الكاملة أكثر تعقيداً مقارنة بتلك التجارب.
القوة البحرية الأمريكية وتطبيق نظرية ماهان:
يعود أحد الجذور الفكرية للعقيدة البحرية الأمريكية إلى المفكر والضابط البحري ألفرد ثاير ماهان (١٨٤٠–١٩١٤)، الذي أكد في كتابه الشهير “تأثير القوة البحرية على التاريخ” أن السيطرة على البحار وممرات التجارة تمثل أحد مفاتيح القوة العالمية.
في تصور ماهان، لا يكفي امتلاك الأساطيل، بل يجب أيضاً حرمان الخصم من القدرة على تهديد طرق التجارة.
وفي العصر الحديث لم تعد هذه السيطرة بحرية خالصة، بل أصبحت مزيجاً من القوة البحرية والجوية والتكنولوجية.
فحاملات الطائرات الأمريكية المنتشرة ضمن الأسطول الخامس توفر قواعد جوية عائمة قرب مضيق هرمز، تنطلق منها طائرات مثل F-35C و F/A-18 لتنفيذ طلعات مستمرة دون الاعتماد الكامل على قواعد برية قد تكون عرضة للهجوم.
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى السيطرة الجوية فوق المضيق باعتبارها الامتداد الطبيعي لنظرية ماهان في العصر الحديث.
الآثار على المضايق الاستراتيجية:
إذا نجحت الولايات المتحدة في فرض سيطرة جوية واسعة فوق منطقة الخليج، فإن قدرة إيران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز ستتراجع بشكل كبير، خصوصاً في ما يتعلق بالصواريخ الساحلية أو استخدام القطع البحرية التقليدية.
ومن شأن ذلك أن ينعكس مباشرة على أمن الملاحة في الممرات المرتبطة به، مثل باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، حيث يعتمد جزء كبير من التجارة العالمية وتدفقات الطاقة على استقرار هذه السلسلة البحرية.
ومع ذلك، لا يعني هذا اختفاء التهديد بالكامل، إذ قد تستمر المخاطر عبر الصواريخ المتنقلة أو الهجمات غير المباشرة التي تنفذها قوى حليفة لإيران في مناطق مختلفة من الإقليم.
البحر يميل إلى من يحميه:
تكشف هذه التطورات عن حقيقة استراتيجية قديمة هى أن البحر في حد ذاته محايد، لكنه يميل دائماً إلى الطرف القادر على حمايته أو تعطيله.
والسيطرة الجوية في هذا السياق ليست هدفاً مستقلاً بقدر ما هي أداة لضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.
لكن الدرس الأعمق ربما يكون أن التحكم في المضايق البحرية في القرن الحادي والعشرين لم يعد مسألة أساطيل فقط، بل مسألة سيطرة على السماء فوقها.


