الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

السودان يبسط السيطرة ويتقدم على الأرض: عسكريا ومدنيا قراءة تحليلية!؟

السفير د. معاوية التوم

شهدت الساعات القليلة الماضية تحولات ميدانية لافتة في المشهد السوداني، تمثلت في تقدم القوات المسلحة وبسط سيطرتها على عدد من المناطق الاستراتيجية في المحورين الغربي والجنوبي، بعد فترات من الاشتباكات المتقطعة. ويأتي هذا التقدم في سياق عمليات عسكرية منسقة تهدف إلى استعادة زمام المبادرة الميدانية، وتأمين العمق الجغرافي، وقطع طرق الإمداد عن عناصر التمرد التي سعت خلال الأشهر الماضية إلى توسيع نفوذها وتهديد الاستقرار الداخلي.

ويعكس فتح الطريق الحيوي الرابط بين الدلنج وكادوقلي دلالة عملياتية بالغة الأهمية، ليس فقط من حيث كسر العزلة المفروضة على جنوب كردفان، وإنما باعتباره مؤشرًا على انتقال العمليات من مرحلة الدفاع والاحتواء إلى مرحلة الفعل والسيطرة وتأمين خطوط الحركة والإمداد. كما أن هذا التطور، الذي سبقته عمليات ناجحة في محيط الدلنج، يؤكد قدرة القوات المسلحة على إدارة معارك مركبة في تضاريس صعبة، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية والاقتصادية للميدان.

وفي السياق ذاته، فإن تدشين حركة الطيران بمطار الخرطوم يمثل تطورًا نوعيًا لا يقل أهمية عن المكاسب البرية، إذ يعكس تحسنًا ملموسًا في البيئة الأمنية، ورسالة سياسية وسيادية واضحة مفادها أن الدولة ماضية في استعادة وظائفها الحيوية رغم حرب الاستنزاف والمسيرات التي استهدفت البنى التحتية الاستراتيجية. ويقترن ذلك بانسياب تدريجي للخدمات العامة، ما يشير إلى مقاربة شاملة لا تفصل بين الحسم العسكري وإعادة تطبيع الحياة المدنية.

وتتقاطع هذه التطورات الميدانية مع تصريحات رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة، التي أكدت أن ما يجري على الأرض ليس تحركات معزولة، بل جزء من رؤية عملياتية أوسع تستهدف تأمين البلاد، واستعادة الطرق الحيوية، وفرض معادلة جديدة توازن بين متطلبات الأمن وضرورات الاستقرار والخدمات. وعليه، فإن ما يشهده الميدان اليوم يحمل دلالات عسكرية وسياسية متقدمة، تؤشر إلى مرحلة مختلفة في إدارة الصراع، عنوانها استعادة السيطرة، وتثبيت الدولة، وربط الميدان العسكري بمشروع استعادة الحياة الطبيعية.

التقدم العسكري وبسط السيطرة
أبرزت المصادر الميدانية أن القوات السودانية نجحت في تأمين مفترقات رئيسية وطرق حيوية تربط بين المدن والمناطق الاقتصادية، إضافة إلى السيطرة على مناطق كانت تشهد نشاطًا مكثفًا لعناصر التمرد. هذا التقدم لم يكن مجرد تحرك تكتيكي على الأرض، بل يعكس قدرة القوات المسلحة على إعادة تنظيم صفوفها والتعامل مع تحديات الإمداد والضغط العسكري الذي تمارسه الجماعات المسلحة المدعومة خارجيًا، وانهاء سيطرتها ووجودها في عقد مهمة على طريق كادوقلي . هذا الانجاز عسكرياً: يعني كسر الحصار وينهى أخطر محاولة لخنق العمق الغربي–الجنوبي، وأمّن عقدة طرق مهمة تربط كردفان بدارفور، وحرّر يد القوات للاندفاع غرباً.و عملياتياً: يعني استعادة المبادرة التي تعكس تفوقاً نارياً ومعلوماتياً، وتفكيك جيوب التمرد بدل الدفاع الثابت ، وسياسياً: الإنجاز يرفع سقف الدولة في أي تفاوض، ويُسقط سردية “توازن القوى وجعل التمرد بموازاة الجيش الوطني.

التقدم الأخير هذا له أهمية استراتيجية، إذ يشمل مناطق تُعتبر شريانًا للنشاط الاقتصادي المحلي، بما في ذلك المزارع والمرافق الحيوية مثل محطات الطاقة والمياه والطرق الرئيسة. السيطرة وكسر الحصار على هذه النقاط المهمة في منطقة جنوب كردفان ، والتي تعزز من قدرة الدولة على تأمين خطوط الإمداد وإعادة تشغيل النشاط الاقتصادي تدريجيًا، كما تمنح الحكومة ورقة قوة مهمة في أي مفاوضات سياسية مستقبلية مع الفاعلين المحليين أو الإقليميين.

الأبعاد السياسية والتحليل الاستراتيجي
المكاسب الميدانية الأخيرة لها انعكاسات سياسية كبيرة. فهي تعزز موقف الدولة في المشهد التفاوضي، وتضيف وزنًا للدبلوماسية السودانية أمام الوسطاء الإقليميين والدوليين. قدرة القوات على استعادة مناطق حيوية تُظهر التزام الدولة بالسيادة الوطنية، وتضع ضغطًا إضافيًا على الجماعات المسلحة للموافقة على حلول سياسية تحت سقف الدولة، بدلًا من الانخراط في نزاعات مفتوحة بلا نهاية.

كما أن هذا التقدم يرسل رسالة مزدوجة: الأولى للشعب السوداني بأن الدولة قادرة على حماية أراضيه وتأمين حياته اليومية، والثانية للمجتمع الدولي بأن السودان يمتلك أدوات السيطرة الذاتية على الصراع دون الانسياق وراء الضغوط الخارجية أو الابتزاز السياسي بموجب وصفر الوصاية التي تعرض بعض الأطراف .

الأثر على المدنيين والمجتمع المحلي
على الرغم من المكاسب العسكرية، يبقى التحدي الأكبر هو حماية المدنيين من الحصار وضمان عودتهم إلى حياتهم الطبيعية. النزوح الداخلي والحرمان من الخدمات الأساسية شكل ضغطًا هائلًا على السكان، وما زال تأمين الكهرباء والمياه والصحة والتعليم يمثل اختبارًا حقيقيًا لمؤسسات الدولة، يجري مخاطبته لهمة عالية وافق قادر على المعالجة .
مصادر ميدانية أكدت أن القوات السودانية تعمل على تأمين المناطق المستعادة ليس فقط عسكريًا، بل لضمان إعادة تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ما يُسهم في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي. كما أن استعادة هذه المناطق تقلل من فرص التمرد في استغلال أي فراغ أمني لإعادة التجمع والتوسع، ويقطع الطريق امامه في مناطق النيل الأزرق وربما الانفتاح على هجليج حيث البترول وبابنوسة المفتاح الرئيس تجاه المحور الغربي والجنوبي .

قراءة مقارنة مع النزاعات السابقة
التقدم الحالي يمكن مقارنته مع عمليات مماثلة شهدها السودان خلال فترات النزاع في دارفور وجنوب كردفان، حيث كانت السيطرة على الطرق والمفترقات الحيوية مفتاحًا لاستقرار مناطق النزاع. الفارق هذه المرة هو أن الدولة تظهر قدرة أكبر على التعافي والتنسيق بين الجيش والمنظومة العسكرية والسلطات المحلية، ما يقلل من الفراغ الأمني ويحد من الفوضى التي كانت تميز النزاعات السابقة، وقصقصة أياديه وانتهاكاته البشعة التي ظل يمارسها. وتعيد بالمقابل انتهاكات التمرد للواجهة والإدانات التي توجه اليهم، اضافة الي العقوبات الاوربية على ٥ من قادته على رأسهم شقيق قائد التمرد القوني دقلو، مما يعزز عودة المساءلة والتصنيف وعدم الإفلات من العقاب.

كما أن التحركات الأخيرة تؤكد أن الحرب الحالية، رغم صعوباتها وتعقيداتها، يمكن أن تتحول إلى فرصة لتعزيز الأمن والاستقرار، ولبناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وهو ما كان غائبًا خلال النزاعات السابقة التي شهدت ضعف التنسيق وإهمال المناطق المحررة بعد انتهاء العمليات العسكرية، بسبب تمدد الرقعة التي كان يسيطر عليها التمرد وحجم التفوق في العدة والعتاد.

التحديات المستقبلية
رغم المكاسب الميدانية، تواجه الدولة تحديات كبيرة على عدة مستويات:
1. تثبيت المكاسب على الأرض: بسط السيطرة لا يكتمل إلا بضمان استمرار الوجود الأمني المنظم بيقظة كاملة وعدم السماح للتمرد بالعودة.
2. إعادة الخدمات الأساسية: الكهرباء، المياه، الصحة، والتعليم يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية استقرار المناطق المستعادة، وهكذا ما يشهده المواطن يوميا ضمن أولوياتها.
3. إدارة النزاعات المحلية: بعض المناطق المستعادة تضم فصائل محلية صغيرة قد تحاول الاستفادة من الفراغ الأمني، او ربما تستغل من قبل التمرد، لذلك يلزم حوار مجتمعي سريع لاجل الإدماج.
4. ضغوط خارجية وإقليمية: لجهة الحلول المطروحة لابد أن تأتي وفقا لمحددات الدولة ، وأن الدعم الذي يتلقاه التمرد من جهات خارجية قد يستمر، ما يتطلب يقظة دبلوماسية وعسكرية وإعلامية متزامنة للإحاطة بمناطق تدفق العتاد والتشوين للتمرد وضربه في مهده .

الخلاصة
تستعيد الدولة السودانية زمام المبادرة ميدانيًا، وتُعيد في الوقت ذاته تعريف معادلة التفاوض سياسيًا على أسس جديدة لا تحتمل الالتباس: لا هدنة مع احتلال، ولا سياسة بلا انسحاب كامل للتمرد، ولا مساواة في الشرعية بين الدولة ومن ينازعها السلاح خارج القانون. فالتقدم الميداني وبسط السيطرة على مناطق استراتيجية لا يمثل مجرد إنجاز عسكري عابر، بل يُجسد تحوّلًا نوعيًا في إدارة الصراع، ويؤكد قدرة الدولة على فرض منطقها السيادي على الأرض وفي السياسة معًا.

ويحمل هذا التقدم دلالات عميقة على المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية، إذ يعزز الموقف التفاوضي للدولة داخليًا وخارجيًا، ويُسقط رهانات إطالة الحرب والابتزاز الإنساني، كما يفتح المجال لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن عبر تأمين الخدمات الأساسية، وحماية المدنيين، وربط الاستقرار الأمني بتحسين شروط الحياة اليومية.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن الحرب، رغم تعقيداتها وتشابك مصالحها، ليست قدرًا دمويًا مفتوحًا، بل يمكن – إذا ما أُحسن إدارتها – أن تتحول إلى لحظة فاصلة لترسيخ الدولة، واستعادة هيبتها، وتعزيز الأمن والاستقرار، ووضع الأسس الصلبة لمستقبل أكثر تماسكًا للسودان وشعبه. غير أن اكتمال هذا التحول يظل مرهونًا بقدرة الدولة على استدامة مكاسبها الميدانية، وتحويلها إلى إنجازات خدمية وتنموية ملموسة، بما يثبت أن استعادة الأرض تقترن باستعادة الحياة، وأن السيادة لا تُحمى بالسلاح وحده، بل ببناء دولة قادرة على خدمة مواطنيها وصون كرامتهم.
⸻——
٤ فبراير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!