الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

السودان وجنوب السودان: الجوار الذي تصنعه الجغرافيا … والشراكة التي يفرضها المستقبل!؟

السفير د. معاوية التوم

  1. مقدمة: حين تعجز الحدود السياسية عن تفكيك التاريخ

ليست العلاقة بين السودان وجنوب السودان نتاج قرار سياسي عابر، ولا يمكن فهمها بالمنطق التقليدي للدول المتجاورة . إنها علاقة تشكّلت عبر قرن كامل من التحولات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، بدأت منذ الحقبة الاستعمارية التي أعادت رسم المجال الجغرافي السوداني على أسس غير متوازنة، وعمّقت الفجوة بين المركز والهامش، ورسّخت انقسامات الهوية والتنمية، وانتهت بحرب أهلية طويلة أفضت إلى الانفصال.
غير أن الانفصال، رغم كونه حدثًا سياسيًا فاصلاً، لم يكن قادرًا على تفكيك الروابط العميقة التي نسجها التاريخ والجغرافيا والمجتمع بين الدولتين. فحدود تمتد لأكثر من ألفي كيلومتر، وروابط دم ومصاهرة، ومسارات رعي وتجارة، واقتصاد نفطي مشترك، كلّها تؤكد أن السودان وجنوب السودان دولتان مستقلتان سياسيًا، لكنهما متداخلتان أمنيا و استراتيجيًا بصورة يصعب تجاوزها أو القفز عليها. لذا هذه الخلفية تضع عبئاً الزاميا على قيادة البلدين ونخبه واعيان المجتمع ، ان يحموا هذا السياج بتراتيب استثنائية تعيد الأواصر والمشتركات الي انموذج إقليمي لا تهدده عاديات الدهر وأيدي المخربين.وزيارة نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار للجنوب خطوة متقدمة في هذا المضمار تعضدها الايام والأفعال.

  1. الجذور التاريخية للعلاقة: من الإدارة الاستعمارية إلى الانفصال السياسي

أعادت الإدارة الاستعمارية البريطانية–المصرية تشكيل السودان بوصفه وحدة سياسية واسعة، لكنها في الوقت ذاته عمّقت التمايز بين الشمال والجنوب عبر سياسات إدارية وتعليمية وثقافية مختلفة. ومع الاستقلال، ورثت الدولة الوطنية هذه الاختلالات دون مشروع وطني جامع قادر على استيعاب التعدد وإدارة التنوع، ما مهّد الطريق لحروب أهلية متكررة.
جاء انفصال جنوب السودان عام 2011 كحل سياسي لأزمة طويلة، لكنه لم يكن نهاية للعلاقة، بل بداية لمرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، حيث تحوّلت العلاقة من صراع داخلي إلى علاقة بين دولتين، دون أن تختفي عناصر التشابك التي صنعت الأزمة في الأصل. ولا العرى الراسخة بين الشعبين أن تتضعضع رغم صنيع الأعداء.

  1. الجغرافيا الممتدة: حدود طويلة وهشاشة مشتركة

تمتد الحدود بين السودان وجنوب السودان لأكثر من ألفي كيلومتر، وهي من أطول وأعقد الحدود في أفريقيا. هذه الحدود ليست مجرد خط فاصل بين دولتين، بل مجال حيوي تتحرك فيه القبائل والرعاة والتجار، والنفط ، وتتشابك فيه المصالح الحياتية والاقتصادية والأمنية.
هذه الجغرافيا تجعل من أمن كل دولة امتدادًا لأمن الأخرى. فحدود غير مستقرة تعني سهولة تسلل السلاح، وازدهار التهريب، ونمو اقتصاد الحرب، وتمدد المليشيات العابرة للحدود. ولذلك فإن أي مقاربة أمنية أحادية، تتجاهل الطرف الآخر، محكوم عليها بالفشل. وركام الحروب وهشاشة الوضع تضاعف المسئولية على صناع القرار ، في حفز العلاقة بقالب ثنائي خاص، له خصوصية وروافع للحماية والتآخي وتبادل المنافع في قوالب لشراكة واعدة.

  1. المجتمع العابر للحدود: القبائل والروابط التي تتحدى السياسة

تعيش على جانبي الحدود قبائل مشتركة، لا تعترف عمليًا بالحدود السياسية، لأنها تشكّلت قبل نشوء الدول الحديثة. هذه القبائل ترتبط بروابط دم ومصاهرة ومصالح معيشية، وتتحرك وفق مواسم الرعي والزراعة والتجارة.
تجاهل هذا البعد الاجتماعي في إدارة العلاقة بين الدولتين يعني تحويل المجتمع إلى عامل اضطراب دائم. أما الاعتراف به وإدارته بآليات مرنة وتعاونية سيحوّله إلى عنصر استقرار، وجسر تواصل، وصمام أمان ضد الانزلاق إلى صراعات جديدة.فكلا البلدين بحاجة الي ظهر جاره، والتاريخ الممتد يحييه ويحرسه أهل الهامات الكبيرة والفكر المتقد والوعي المستبصر.

  1. النفط والاقتصاد: مصالح مشتركة لا تحتمل القطيعة

يمثّل النفط أحد أهم عناصر الترابط بين السودان وجنوب السودان. فالجنوب يمتلك معظم الحقول، بينما يعتمد على الشمال في خطوط النقل والتصدير والبنية التحتية. هذه المعادلة تفرض شراكة اقتصادية موضوعية، لا يمكن كسرها دون كلفة باهظة على الطرفين.
إلى جانب النفط، تلعب التجارة الحدودية دورًا حيويًا في حياة المجتمعات المحلية، وتشكل مصدر رزق واستقرار. وعندما تتعطل هذه الأنشطة، ينفتح المجال أمام الاقتصاد غير المشروع، الذي يغذي الصراع ويقوّض الدولة في البلدين.فحماية الظهر لكل تحفز معادلة التعاون وتعالج الإشكالات المعلقة في أبيي وبقية النقاط.

  1. الحرب في السودان: اختبار حقيقي للعلاقة مع الجنوب

في لحظة الحرب الراهنة في السودان، تتكشّف بوضوح حقيقة أن جنوب السودان ليس جارًا محايدًا. فاستقراره المؤسسي والأمني يشكّل رافعة مباشرة لاستقرار السودان، عبر ضبط الحدود، ومنع استخدام أراضيه كممرات أو منصات لدعم المليشيات، وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة.وتجاوز نوايا الاغراض الخاصة الذين شاركوا في الحرب ، الي رمزية الإخاء الممتد والقدر الذي يحمل المعاني والبشريات كما عبر عنه القيادي البارز عبد الله دينق نيال في مداخلة له في منبر لصحيفة الوطن من يومين، ينم عن ادراك ووعي بالمستقبل.
أما ضعف الجنوب أو انزلاقه إلى صراع داخلي واسع، فسيعني فتح جبهة جديدة للفوضى، ونقل العدوى إلى السودان عبر السلاح واللاجئين والتهريب والقبائل المشتركة، بما يعيد إنتاج الحرب بأشكال أكثر تعقيدًا.

  1. البعد الإقليمي: جنوب السودان وتشاد ومعادلة الاستقرار الهش

لا يمكن فصل العلاقة السودانية–الجنوبية عن السياق الإقليمي الأوسع، خاصة العلاقة مع تشاد وإثيوبيا التي تشكّل عمقًا غربيًا شرقياً حساسًا للسودان. فالتشابك القبلي، والتاريخ الطويل من الحروب غير المباشرة، ومسارات الإمداد والممرات الإنسانية، تجعل من التنسيق الإقليمي شرطًا أساسيًا لأي استقرار مستدام.
الحرب في السودان لم تعد أزمة داخلية، بل تحولت إلى أزمة إقليمية كامنة، تستفيد منها المليشيات العابرة للحدود في ظل غياب التفاهمات السياسية والأمنية بين العواصم المعنية. وتشاد وأديس ابابا صرة تربط البلدان الاربعة بسياج جمعي فوق الاتحاد الأفريقي وخارج منصة ايقاد.

  1. نحو عقد إقليمي جديد: الأمن المشترك والتنمية كمدخل للسلام

إن ما بعد الحرب في السودان يتطلب تجاوز التفكير التقليدي، والاتجاه نحو صياغة عقد اجتماعي–سياسي إقليمي جديد بين السودان وجنوب السودان وتشاد، وإثيوبيا يقوم على مبادئ واضحة:
• أمن الحدود المشترك
• تحييد الممرات الإنسانية
• تبادل المعلومات والتنسيق الأمني
• تفكيك اقتصاد الحرب
• ربط الأمن بالتنمية المستدامة
. خلق اطار مجتمعي لربط شعوب المنطقة وتعزيز التعاون فيما بينهم لاجل استدامة السلام والاستقرار .فالأمن وحده لا يصنع السلام، كما أن التنمية دون أمن لا تصمد.

  1. خاتمة: من عبء التاريخ إلى فرصة المستقبل

إن الحفاظ على الجغرافيا والتاريخ والوشائج الاجتماعية بين السودان وجنوب السودان ليس استدعاءً عاطفيًا للماضي، ولا منة بمعروف او صنيع ،بل قراءة واقعية لمعادلات الحاضر واستحقاقات المستقبل. علاقة تقوم على الإخاء والمصالح المشتركة واحترام السيادة، يمكن أن تتحول من علاقة إشكالية إلى نموذج إقليمي في إدارة الجوار المعقّد، ومضاعفة مكاسبه وثماره..
في هذه المنطقة من أفريقيا، تثبت التجربة أن الخطوط السياسية قد تفصل الدول، لكن الجغرافيا والتاريخ والمجتمع تظل أقوى. وأن تجاهل هذا التشابك لا يلغي الصراع، بل يؤجله ويعيد إنتاجه بأسماء وواجهات جديدة.هذه علاقة متجذرة بحاجة الي ترتيبات استثنائية لقادة وحكومتي البلدين تضع المصلحة العليا والأمن القومي المشترك والسمة الاستراتيجية للتعاون والتعايش فوق كل اعتبار بميزات وأطر وتدابير ونظم لإدارة هذه الشراكة قبل أن تطالها يد المتربصين وما أكثرهم!؟.

٢٧ يناير ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!