الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

السودان بين ضغوط الهيمنة وفرص التوازن الدولي

محمد الحاج

تشهد المنطقة منذ عقود صراعاً معقداً يتداخل فيه البعد العقائدي مع المصالح الاقتصادية والسياسية، حيث لم تعد الحرب على إيران مجرد احتمال بل أصبحت جزءاً من مشروع عالمي يسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحت مظلة القطبية الأحادية التي تقودها الولايات المتحدة. هذه الهيمنة تجلت في سلسلة من الحروب ابتداءً من الصومال مروراً بالعراق وليبيا واليمن، وصولاً إلى محاولات الضغط المستمرة على دول أخرى مثل السودان. ورغم تجاوزات إيران في المنطقة، فقد لعبت دوراً محورياً في منظومة المقاومة الممتدة من لبنان إلى الخليج، بل وتجاوزت ذلك بانضمام بعض الدول الأفريقية إلى مواجهة النظام العالمي الجديد. هذا الصراع يفرض على السودان أن يقرأ المشهد بعمق، وأن يستعد لمواجهة التحديات التي قد تعصف باستقراره نتيجة هذه الحروب.

التحالف الأميركي – الإسرائيلي يمثل محوراً أساسياً في هذا المشهد، إذ يقوم على أسس عقائدية بحتة. فالصهيونية غير اليهودية برزت بقوة في الإدارة الأميركية منذ أكثر من نصف قرن، وتوسعت لتشمل عشرات الملايين من البروتستانت التطهيريين الذين يؤمنون بالنبوءات والحقوق التاريخية المزعومة لليهود في فلسطين. تصريحات الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عام 1979 أمام الكنيست، وخطاب رونالد ريغن الانتخابي عام 1980، تؤكد هذا الالتزام العقائدي بالمشروع الصهيوني. وفي عهد ريغن، تطور نشاط هذا التيار عبر المدارس الدينية والإعلام، ما عزز حضور القساوسة المتصهينين في المجتمع الأميركي. وبذلك، فإن الصهيونية بنوعيها – اليهودية وغير اليهودية – قد تطابقت في مشروعها الديني والسياسي والاقتصادي، حيث تتقاطع الأطماع والمخططات بين الدولة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، فيما تُعد لجنة “إيباك” إحدى أبرز أدوات الضغط التي تؤثر بشكل مباشر على السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً في ما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي.

في هذا السياق، جاء تصنيف الولايات المتحدة لقوى اليمين السوداني ضمن سجلها الإرهابي ليضع السودان أمام تحديات إضافية، إذ لا ينفصل هذا التصنيف عن المشروع الأكبر لإعادة تشكيل المنطقة، بل يمثل أداة ضغط جديدة لإخضاع السودان سياسياً واقتصادياً. فالحظر الاقتصادي والعزلة الدولية قد تتحول إلى أدوات تمهيدية قبل اللجوء إلى القوة العسكرية، وهو ما يفرض على السودان أن يبحث عن حلول عملية للخروج من هذه المصيدة. ومن أبرز هذه الحلول العمل على تنويع التحالفات الدولية عبر بناء علاقات متوازنة مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا وبعض الدول الأفريقية، بما يضمن وجود بدائل اقتصادية وسياسية تقلل من الاعتماد على الغرب. كما أن تعزيز الجبهة الداخلية عبر بناء وحدة وطنية قوية وإصلاح سياسي واقتصادي شامل يعد ضرورة لتقليل نقاط الضعف التي يمكن استغلالها. ويظل الاستثمار في الموارد المحلية، خاصة الزراعة والموارد الطبيعية، وسيلة لتقليص تأثير العقوبات الاقتصادية، إلى جانب الانفتاح الإعلامي والدبلوماسي لتوضيح الموقف السوداني للعالم وكشف أن التصنيفات الأميركية ليست سوى جزء من مشروع سياسي أوسع.

وفي ظل الخلافات المتزايدة بين النظام الأوروبي والولايات المتحدة، يمكن للسودان أن يستغل هذه الفجوة لصالحه عبر طرح نفسه كشريك اقتصادي وسياسي لأوروبا في مجالات الطاقة والموارد الطبيعية، مستفيداً من حاجة أوروبا إلى تنويع مصادرها بعيداً عن الضغوط الأميركية. هذا الانفتاح على أوروبا قد يمنح السودان فرصة لتأمين استثمارات جديدة، وفتح أسواق بديلة، وتخفيف حدة العزلة المفروضة عليه. كما أن المرونة الاستراتيجية في إدارة التوازنات الإقليمية وتجنب المواجهات المباشرة قد تمنح السودان مساحة للتحرك وتخفيف الضغوط، بما يتيح له تجاوز هذه المرحلة الحرجة وتحويل التحديات إلى فرص.


٢٠ مارس ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!