الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

السودان بين تدويل التمرد ومأزق مجلس الأمن!؟

السفير د. معاوية التوم


قراءة في الإشارات السياسية، الجلسة المغلقة، وخطاب الأمن الغذائي

يثير تزامن الحديث عن ما سُمّي بـ«الوثيقة النهائية للسلام في السودان» مع انعقاد جلسة مغلقة لمجلس الأمن خُصصت لمناقشة «الأمن الغذائي المتكامل» جملة من الأسئلة الجوهرية حول طبيعة المقاربة الدولية المطروحة، وحدود اتساقها مع الواقع الميداني والتحولات الجارية على الأرض. فهذه الإشارات، عند قراءتها مجتمعة، تعكس اتجاهًا يسعى إلى إعادة صياغة الصراع السوداني خارج توصيفه الحقيقي، أكثر مما تعكس مسارًا جادًا لإنهاء الحرب أو حماية المدنيين.

فالطرح المتداول تحت عناوين السلام وخططه ومبادراته لا يبدو، في بنيته ومفرداته وتوجهاته، حاملًا لشروط تسوية حقيقية ومنصفة، بقدر ما يوحي بمحاولة إعادة إدماج ميليشيا متمردة بسند خارجي فقدت وزنها العسكري داخل إطار سياسي مصطنع، يقوم على مساواة غير مبررة بين الدولة السودانية، بمؤسساتها السيادية، وكيان مسلح خارج عن القانون ارتكب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وتعمد تدمير المنشآت العامة.

إشكالية «الانسحاب المتزامن»
أحد أكثر المفاهيم إثارة للقلق في هذا السياق هو الحديث عن «انسحاب الطرفين من المناطق الساخنة». فهذا الطرح، في الحالة السودانية، لا يمكن فصله عن تجربة طويلة من الهدن غير المنضبطة التي تحولت في كل مرة إلى فرص لإعادة تموضع الميليشيات واستعادة قدراتها، بدلًا من حماية المدنيين أو تثبيت الاستقرار.ولا يمكن اعادة تدوير الأخطاء دون اخذ العبر.

إن مساواة الدولة المعتدى عليها بجهة متمردة في ترتيبات الانسحاب لا تؤدي إلى خفض العنف، بل تعيد تعريف الجريمة بوصفها موقفًا تفاوضيًا، وهو منطق يتعارض مع مبادئ القانون الدولي العام التي تقوم على حماية سيادة الدول ومنع شرعنة التمرد المسلح.

الميدان ينسف خطاب «التهدئة»
تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع عند النظر إلى التطورات الميدانية الراهنة. فقد تزامنت الدعوات إلى «خفض التصعيد» مع اعتداءات متكررة للميليشيا متواصلة، من بينها الهجوم على قافلة تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، في سلوك قوبل بإدانات واسعة، وأعاد التأكيد على أن العمل الإنساني لا يزال مستهدفًا ويُستخدم كأداة حرب وضغط فضلا عن التجويع. والحصار الذي تمارسه المليشيا.

وفي الوقت ذاته، تشهد مدينة الفاشر أوضاعًا إنسانية وأمنية متدهورة بفعل الحصار والاعتداءات المستمرة، إلى جانب استمرار استخدام المسيّرات في استهداف مناطق مدنية، بما ينفي عمليًا أي التزام فعلي بالتهدئة أو استعداد حقيقي للانخراط في مسار سلام مسؤول، الأمر الذي يعضد توجه الدولة.

الأمن الغذائي: مجاعة أم تجويع متعمد؟
تكتسب الجلسة المغلقة لمجلس الأمن، التي ناقشت «الأمن الغذائي المتكامل»، دلالة خاصة بسبب الإشارات التي طُرحت خلالها عن وجود مجاعة في إقليمي كردفان ودارفور. غير أن هذا التوصيف، عند تفكيكه، يكشف خللًا جوهريًا في تشخيص الأزمة، إذ يجري الخلط بين المجاعة بوصفها عجزًا بنيويًا في الإنتاج، وبين التجويع بوصفه سلوكًا متعمدًا وأداة من أدوات الحرب.

فالواقع يشير إلى أن السودان، رغم الحرب، لا يعاني من مجاعة بالمعنى الزراعي أو الاقتصادي؛ إذ لا يزال إنتاج الحبوب والبقوليات في مجمله قريبًا من تغطية الاحتياجات الأساسية. ما يحدث فعليًا هو منع متعمد لانسياب الغذاء، وتعطيل قسري لسلاسل الإمداد، واستهداف مباشر لقوافل المساعدات، وفرض حصار ممتد على مناطق مدنية واسعة بواسطة التمرد، بما يحول الغذاء من مورد معيشي إلى أداة ابتزاز وعقاب جماعي، ثم ياتي الراعي ليدين افعال جناته.

ولا يشكل هذا السلوك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني فحسب، ولا سيما القواعد التي تحظر استخدام التجويع كسلاح، بل يفسر أيضًا موجات النزوح القسري الواسعة، حيث يضطر المواطنون إلى مغادرة مناطق سيطرة التمرد، لا بسبب شح الموارد، بل هربًا من التضييق والحصار وانعدام شروط الحياة الآمنة.

احاطة السودان بمجلس حقوق الانسان
وفي جنيف، خرج السجال عن لغته البروتوكولية حين واجه مندوب السودان الدائم نظيره الإماراتي باتهامات مباشرة، كاشفًا التناقض بين خطاب “الإنسانية” المعلن وواقع الدعم العسكري للمليشيا المتمردة. هذا الموقف لم يكن ردًّا انفعاليًا، بل تشخيصًا لمأزق أعمق داخل مجلس الأمن: إدانة العنف دون مساءلة مموليه، والمطالبة بتوسيع حظر السلاح مع تجاهل خروقه الصارخة. وهكذا يتحول العمل الإنساني، في بعض مقارباته الدولية، إلى غطاء سياسي لتدويل التمرد، بينما تُترك الدولة الوطنية تواجه الحرب والاتهام في آن واحد.

مجلس الأمن: توصيف ملتبس ومسار معطّل
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الجلسة المغلقة لمجلس الأمن بوصفها تفويضًا لمسار بعينه، بل باعتبارها انعكاسًا لانقسام داخل المجلس حول توصيف الصراع وأدوات التعامل معه. فبينما تميل بعض الأطراف إلى التركيز على النتائج الإنسانية المجردة، دون تسمية الفاعل المسؤول عنها، ترى أطراف أخرى أن تجاهل جذور الأزمة وسلوك الميليشيا يقوض أي مسعى لحماية المدنيين أو تحقيق سلام مستدام.

هذا التباين يفسر غياب قرارات ملزمة حتى الآن، والاكتفاء ببيانات عامة تعكس مأزقًا دوليًا في التوفيق بين الاعتبارات السياسية والحقائق الميدانية والمعالجات التكتيكية للازمة لا حلها.

خلاصة: لا حياد مع التجويع ولا سلام بلا دولة
إن القراءة المتأنية لهذه الإشارات مجتمعة تقود إلى خلاصة مفادها أن السلام الحقيقي في السودان لا يمكن أن يُبنى على توصيفات مضللة أو صيغ تعويمية. فالأزمة ليست مجاعة بلا أسباب، بل تجويع متعمد له فاعل واضح، وليست نزاعًا متكافئًا، بل تمردًا مسلحًا ضد الدولة والمجتمع.

وعليه، فإن أي مسار جاد يجب أن ينطلق من حماية سيادة الدولة، وإنهاء التمرد، ورفع الحصار عن المدنيين، وضمان انسياب الغذاء والمساعدات الإنسانية دون ابتزاز أو استهداف، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وقطع أي دعم خارجي يسهم في إطالة أمد الحرب.

أما تجاوز هذه الأسس، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع في صيغة مختلفة، وهو ما يتناقض مع تطلعات السودانيين إلى استعادة دولتهم المخطوفة ، وكرامتهم التي امتهنت، وبناء سلام يقوم على العدالة والمسؤولية، لا على إدارة الأزمة أو تدويلها وإطالة أمدها.
—————-
١١ فبراير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!