الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

السودان… بداية النهاية لمخطط الشرق الأوسط الجديد

محمد الحاج


السودان بلد ذو تاريخ عريق، يمتد جذوره إلى آلاف السنين، حيث خاض شعبه صراعًا طويلًا من أجل البقاء والكرامة، وواجه تحديات الطبيعة والغزاة، وراكم إرثًا حضاريًا وثقافيًا فريدًا. هذا التاريخ المجيد لم يكن مجرد سرد بطولي، بل كان تأسيسًا لهوية وطنية راسخة، تجلت في وحدة التنوع الذي شكّل نسيج المجتمع السوداني، وفي قدرة هذا الشعب على مقاومة كل محاولات الإخضاع والاستلاب. فقد هزمت الكنداكات جيوش الرومان، ورفض رماة الحدق دفع الجزية لجيش عقبة بن نافع، لا رفضًا للدين، بل رفضًا للذل، وهو ما أكده ملوك النوبة حين أعلنوا أنهم لن يمنعوا أحدًا من اعتناق الإسلام، الذي وجد فيه السودانيون لاحقًا امتدادًا لقيمهم الأصيلة.

هذا الشعب، الذي توحد من أقصى الغرب إلى البحر الأحمر، ومن غابات الجنوب إلى نخيل الشمال، أطلق أول ثورة تحرر وطني ضد الحكم التركي في نهاية القرن التاسع عشر، وأسقط الحكم الثنائي بعد نضال طويل، وتوحد في 19 ديسمبر 1955 ليعلن استقلاله رغم معارضة القوى الطائفية والحزبية. لم يتوقف النضال عند الاستقلال، بل استمر في مقاومة الأنظمة العسكرية، فأسقط نظام عبود، ثم نميري، وأخيرًا نظام الإنقاذ، في سلسلة من الثورات التي أكدت أن إرادة الشعب لا تُقهر.

غير أن الحاضر السوداني يشهد أزمة عميقة، تتجلى في تضارب المصالح بين النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية، التي ارتبطت مصالحها بمصالح قوى خارجية، فصار الوطن مجرد رقعة تُنهب ثرواتها، ويُستغل فقراؤها كوسيلة لجني الأرباح. هذا التكتل الداخلي، المدعوم خارجيًا، وجد في الثورة الشعبية خطرًا وجوديًا، فسعى إلى إجهاضها بكل الوسائل، من المجازر إلى إشعال الحروب. فالحرب الأخيرة لم تكن نتيجة خلاف بين البرهان وحميدتي، بل كانت أداة بيد قوى السلاح العالمية والإقليمية، التي أرادت تحويل السودان إلى مأساة منسية، بينما تُسلط الأضواء على أزمات أخرى.

لكن ما جرى في السودان لم يكن معزولًا عن السياق الإقليمي الأوسع. فالمنطقة العربية تشهد تسارعًا غير مسبوق في الأحداث، من اليمن إلى سوريا، ومن العراق إلى فلسطين، حيث تتهاوى تدريجيًا أركان حروب الوكالة التي غذّتها قوى إقليمية ودولية لعقود. ومع كل تصدع في هذه الحروب، يتكشف زيف مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي سعى إلى تفتيت المنطقة على أسس طائفية وعرقية، وتحويل شعوبها إلى أدوات في صراعات الآخرين. لقد بدأ هذا المشروع يتهاوى من قلب السودان، حين رفض شعبه أن يكون وقودًا لحرب لا تخدم إلا مصالح الخارج، وأصر على أن تكون ثورته سودانية خالصة، وأن يكون مستقبله بيده لا بيد وكلاء الخارج.

رغم كل ذلك، فشلت الحرب في كسر إرادة الشعب. فالسودانيون، رغم النزوح والدمار، لم يتراجعوا عن مطالبهم، وها هي القوى الدولية، مدفوعة بعطشها لموارد السودان وموقعه الجيوسياسي، تعود لتقترح تسوية، تسعى من خلالها لفرض سلطة مدنية موالية تحقق أهدافها دون الحاجة إلى الحرب. غير أن هذه المحاولات تصطدم بصلابة الوطنيين الذين لا يزالون يحملون شعلة الثورة، ويؤمنون بأن الحل لا يمكن أن يأتي من الخارج، بل من الداخل، من توحيد “الغلابة” من أبناء الشعب، مع الرأسمالية الوطنية التي تتناقض مصالحها مع القوى الأجنبية، ومع العسكريين الوطنيين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

السودان، الذي واجه الغزاة ورفض الخضوع عبر تاريخه، لا يزال قادرًا على تجاوز أزماته. فكما يقول المثل: “ما حك جلدك مثل ظفرك”، فإن الحل سيظل سودانيًا خالصًا، ينبع من إرادة الشعب، ويستند إلى تاريخه الطويل في النضال، وإيمانه العميق بالحرية والعدالة والكرامة. وما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد أزمة داخلية، بل هو لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، قد تكون بداية النهاية لمخططات التقسيم، وبداية صحوة عربية جديدة تعيد للشعوب زمام أمرها، وتكسر قيد التبعية، وتفتح أفقًا جديدًا للكرامة والسيادة.

محمد الحاج
٢ ديسمبر ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!