الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الرياضيات … من الغموض إلى المعنى

العالم الذي كتبته الرياضيات.

د. محمد عبدالرحيم يسن




(٥/٤)

بعد رحلة الاقتراب من معنى الرياضيات، ومن تفكيك الصورة التي جعلتها تبدو صعبة، نفتح زاوية حضورها في كل ما حولنا، لاكتشاف تواجدها في تفاصيل الحياة دون أن تظهر بوضوح.
العالم المعاصر يقوم على أنظمة رقمية تعمل في صمت. الهاتف، الشبكات، المواقع الإلكترونية، والخدمات اليومية كلها ترتكز على بنية دقيقة غير مرئية، هذه البنية ليست سوى أفكار رياضية تم تحويلها إلى أنظمة تعمل باستمرار.
في الحاسوب تبدو الصورة بسيطة، شاشة وتطبيقات واستجابة فورية، إلا اننا نجد في العمق نظام يعتمد على الصفر والواحد، حالتان فقط يتم من خلالهما بناء النصوص والصور والأصوات، كل عملية هي تنظيم رقمي محكوم بمنطق رياضي ومعادلات رياضية دقيقة يتحرك بسرعة هائلة.
أما في البرمجيات تتضح الفكرة أكثر، كل برنامج هو مجموعة خطوات مرتبة، تحدد ما يحدث في كل لحظة، وكيف تنتقل البيانات من حالة إلى أخرى. ما يبدو سهلا في الاستخدام يقوم على علاقات دقيقة تربط بين المدخلات ومعالجتها للوصول الى النتائج.
الشبكات التي تربط العالم تقدم صورة أخرى. انتقال البيانات بين الأجهزة يعتمد على حسابات تضبط المسار، وتنظم التدفق، وتحافظ على استقرار الاتصال. كل رسالة تصل نتيجة ترتيب محكم تقوده نماذج رياضية.
مع الإنترنت، اتسع هذا الدور. المواقع تعتمد على تنظيم للمعلومات، ومحركات البحث ترتب هذا الكم الكبير عبر خوارزميات تقرأ العلاقات وتحدد الأولوية، فالخوارزمية في جوهرها خطوات مرتبة تقود إلى نتائج وقرارات دقيقة وواضحة.
في الاتصالات يظهر بعد آخر. الصوت والصورة يتم تحويلهما إلى إشارات رقمية، ثم يعاد تشكيلهما عند الاستقبال. هذه العملية تقوم على نماذج تضمن بقاء المعنى رغم انتقاله عبر مسافات طويلة. كل ذلك يشير إلى حقيقة أعمق. العالم الحديث تم بناءها بأفكار رياضية تقف خلفها، كل تقنية نستخدمها هي ترجمة لفكرة رياضية تمت صياغتها بصورة قابلة للتطبيق، الرياضيات لغة تنظم هذا العالم. تضبط العلاقات، وتوجه تدفق البيانات، وتمنح الأنظمة قدرتها على العمل بثبات.
مع هذا الفهم تتغير الصورة. ما يبدو معقدا يعود إلى أصول يمكن تتبعها وفهمها. العالم الرقمي يظهر كامتداد لطريقة التفكير الإنساني، وليس ككيان منفصل عنه.
إذا كانت الرياضيات قد أسست هذا الواقع، فما الدور الذي ينتظرها في المستقبل؟هذا ما نقترب منه في الحلقة القادمة.

٤ إبريل ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!