الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الرياضيات… من الغموض إلى المعنى.

د. محمد عبدالرحيم يسن




(٥/١)
ما هي الرياضيات حقا؟
في لحظة ما، وقف كثير منا أمام مسألة رياضية وشعر أن ما يراه لا يمكن فهمه، ولا يمت لما يعرفه بصلة… أرقام، رموز، خطوات متتابعة، ونتيجة مطلوبة… يتسلل شعور غامض بأن هذا العالم مغلق، وأن فهمه يحتاج قدرة خاصة لا يملكها الجميع، ولا يملكها هو…
في هذه السلسلة من افاق رقمية نحاول معا تفكيك هذا الشعور، لمعرفة البناء والصورة من الأساس، وأن نضع الرياضيات في مكانها الطبيعي داخل حياتنا اليومية. وهي محاولة لرؤية المعنى قبل الشكل، والفكرة قبل الطريقة.
كثير من هذا الغموض تشكل عبر تجربة تعليمية ركزت على… الوصول إلى الإجابة، أكثر من فهم الطريق إليها، وعادة ما تبدأ الرحلة مع القوانين، ولا تقف عند المعاني، فبدا كل شيء منفصلا عن الواقع، ومع مرور الوقت، ترسخ الاعتقاد أن الرياضيات مادة صعبة بطبيعتها، والأفضل أن لا نقترب منها…
في المقابل نجد أن الرياضيات حاضرة في كل تفصيلة حولنا، الطفل الذي يقسم لعبه، التاجر الذي يقدر الربح، الشخص الذي ينظم وقته، كلهم يستخدمون أفكارا رياضية دون أي جهد ظاهر. فالأمر لا يتعلق بالأرقام بقدر ما يتعلق بطريقة التفكير، و نقل المعرفة.
الرياضيات في جوهرها لغة تصف العلاقات، تخبرنا كيف نقارن، وكيف نقيس، وكيف نفهم التغير، وهي الأداة التي تساعدنا على رؤية النظام وسط تفاصيل متشابكة، وعلى اتخاذ قرارات أكثر وضوحا.
عند سماع كلمات مثل الدالة، الجبر، التفاضل والتكامل،أو المعادلات والنظريات، يتشكل انطباع فوري بأنها مفاهيم جامدة ومعقدة وصعبة… الصورة تختلف عند الاقتراب منها، فالدالة تعبر عن ارتباط بين شيئين، كلما تغير أحدهما تأثر الآخر. الجبر يمنحنا وسيلة للوصول إلى المجهول انطلاقا من معلومات نعرفها. التفاضل والتكامل يشرحان كيف يحدث التغير، وكيف يمكن جمع أجزاء صغيرة لرؤية صورة كاملة. هذه أفكار نمارسها في حياتنا، حتى إن لم نمنحها هذه الأسماء.
المشكلة الحقيقية بدأت مع تقديم هذه المفاهيم في صورة جاهزة، دون أن تمر بتجربة الفهم الطبيعي. ظهرت الرموز في الواجهة، وغاب المعنى خلفها. ومع هذا الانفصال، نشأ الحاجز، وتضخم الشعور بالصعوبة.
لو أعيد تقديم الرياضيات كحكاية قريبة من الإنسان، ستتغير الصورة. حكاية عن التوازن، عن القياس، عن التوقع، وعن فهم العالم بطريقة أكثر دقة. عندها تصبح أقرب إلى التجربة اليومية، وأكثر قابلية للفهم.
الرياضيات ليست عالما مغلقا، ولا حكرا على فئة محددة. هي جزء من تفكيرنا، من قراراتنا، ومن طريقتنا في فهم ما حولنا. ما نحتاجه هو إعادة النظر إليها بعين جديدة، تبحث عن الفكرة وتمنحها حقها من التأمل.
في الحلقات القادمة، نقترب خطوة داخل هذا العالم، ونكتشف طبقاته.
٢٨ مارس ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!