
أرى أن حرص السعودية على أمن اليمن ووحدته ليس شعارًا سياسيًا عابرًا، بل موقف تؤكده حسابات الجغرافيا والارتدادات المباشرة، لأن أي انهيار يمني -لا قدر الله- يؤثر مباشرةً على محيطه القريب، وتحديدًا السعودية وعُمان.
ولتوضيح هذه النقطة، لا بد من الخروج قليلًا من التفاصيل اليمنية المباشرة، والمرور بصورة أوسع على كيفية إدارة السياسة في المنطقة، حيث لا تُفهم المواقف بمعزل عن مشاريع النفوذ الخارجي، وتوازنات القوى، وطبيعة الصراعات التي تحكم الإقليم بأكمله.
من السهل نسبيًا تتبع السياسة الخارجية السعودية، إذ تتسم بدرجة من الاستقرار والوضوح مقارنةً بغيرها في الإقليم. دولة جادة ووقورة ولا تعبث كثيرا، ولا تراوغ.
خيرها الوفير أغناها عن الطمع في أراضي الشعوب وثرواتها.
في المقابل، يلاحظ كثير من المراقبين تحولات واضحة في سلوك الإمارات الإقليمي، خاصةً انتقالها من التركيز على التجارة والاقتصاد إلى الانخراط المباشر في صراعات معقدة تتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.
لا أحد يفهم كيف انزلقت الإمارات من الاقتصاد الأزرق إلى الغوص في بركة من الدم حتى أذنيها.
في هذا السياق، من المهم التمييز بين الوزن الإقليمي الحقيقي للسعودية في المنطقة، وبين المشاريع التوسعية التي تقوم على فرض الأمر الواقع عبر أدوات عسكرية أو وكلاء محليين. هذا التمييز يساعد على فهم الفوارق بين أدوار الفاعلين الإقليميين دون اختزالها في ثنائيات أخلاقية مبسطة.
تشهد المنطقة تنافس مشاريع متعددة، أبرزها الإسرائيلي والإيراني، مع حضور تركي له أبعاده التاريخية والاستراتيجية.
لا بد من التوضيح أن إيران باتت أكثر واقعية وأقرب إلى التعاون، ولا بد من تشجيعها وعدم استخدامها فزّاعة لإلهاء الناس عن المشروع الإسرائيلي. المشروع التركي ليس توسعيًا بمقدار ما هو مبدأ مواجهة التمدد المعادي بتمدد موازٍ له، وليس بالدبلوماسية والتفاوض.
في المقابل، تبدو السعودية ومصر أكثر انخراطًا في إدارة تداعيات هذه المشاريع ومحاولة احتوائها أو صدّها إذا لزم الأمر، وهو ما يضعهما في موقع الريادة الإقليمية أكثر من النزعات التوسعية. والريادة هنا المسؤولية والعبء في مساعدة الغير، وليس الطمع فيما عنده. السعودية، بسبب مكانتها الدينية وضخامة اقتصادها، لديها ريادة حقيقية في العالم الإسلامي والعربي، ومصر، بسبب قدرها الحتمي في المواجهة إنابةً عن الأمة والموقع الجغرافي والازدهار الثقافي، لديها أيضًا ريادة حقيقية.
هذا لا يلغي دور الآخرين ولا يقزم حجم الدول الأخرى، ولكنه يرتب مسئوليات الدول.
يظهر التباين بين الأوزان الإقليمية والمشاريع التوسعية بوضوح في الملف اليمني. فالتدخلات الخارجية هناك لم تتخذ مسارًا واحدًا، بل تباينت أهدافها وأدواتها. وبينما تطرح السعودية خطاب دعم الاستقرار ووحدة اليمن، تبرز على الأرض سياسات عززت الانقسام، سواء عبر دعم قوى محلية متنافسة أو السعي للسيطرة على موانئ ومناطق ساحلية حساسة وحاكمة، بالاشتراك مع جهات معادية.
وللأسف، من يريد أن يستهدف اليمن الآن يستهدف الدور السعودي، ويريد التمدد -ليس بإضافة مساهمة جديدة- إنما خصمًا على السند السعودي لليمن الموحّد المستقر.
المشروع التوسعي الإسرائيلي هو من يتبنى بوضوح نزع الريادة من السعودية ومصر لصالح امتداداته الجديدة. وما يحدث في اليمن من استهداف للسعودية حدث في الانتقال المضطرب في السودان، والذي حرص فيه عرّابو المخطط من البداية على استهداف وإقصاء مصر لصالح الامارات.
عودةً إلى التطورات في اليمن، مخطط تقسيم واضح، ومساعٍ حثيثة لسلب الأمن من الأراضي والمحافظات وتفكيك سيادة الحكومة الشرعية.
في هذا الإطار، يبرز رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي كشخصية تميل إلى التوافق وإدارة التوازنات داخل بنية يمنية شديدة التعقيد. قدرته على العمل ضمن مجلس متعدد الاتجاهات، والتعامل مع ضغوط داخلية وخارجية، تجعل منه خيارًا عمليًا في مرحلة انتقالية لا تحتمل القرارات الفردية أو النهج الصدامي.
حنكة العليمي وخبرته قادت وتقود مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية إلى برّ الأمان، والسعودية ببساطة مع الشرعية والاستقرار، وغيرها ضد ذلك، ولا يوجد أي تفسير آخر.
إقليميًا، لم تعد المشاريع التوسعية مجرد تصورات نظرية، بل تحولت إلى وقائع ملموسة على الأرض، سواء في أرض فلسطين أو في محيط البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
هذا الواقع يفرض على دول المنطقة، العربية والإفريقية، قدرًا أعلى من التنسيق، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد أو الخطاب التعبوي.
لا فرق بين الرغبة في إخلاء غزة من سكانها وضمّ الضفة، وبين إغراء اقليم صوماليلاند بالاعتراف مقابل الدخول في المشروع التوسعي الإسرائيلي، وتحضير ذات الخطوة في الجنوب الحبيب في اليمن، ودويلة أخرى خططوا لها في دارفور، السودان.
السودان، من جهته، يقع في قلب هذه التحولات، بوصفه نقطة تقاطع جيوسياسية حساسة. ما يجري فيه لا يمكن فصله عن التنافس الإقليمي الأوسع، ولا عن محاولات توظيف أزمته ضمن صراعات النفوذ، وهو ما يتطلب قراءة هادئة تتجاوز لغة المظلومية إلى تحليل المصالح المتشابكة.
في المحصلة، يبقى استقرار اليمن ووحدته عاملًا أساسيًا لأمن الإقليم، لكن تحقيق ذلك يتطلب من كل دول المنطقة والعالم الإسلامي والعربي وإفريقيا دعم قيادته الانتقالية بوضوح، ورفض سردية طرفي الصراع، وتوهّم حالة من الحياد الزائف بين من يرغب في مساعدة اليمن ومن يرغب في تسليمها لمشاريع أعداء الأمة والإنسانية.





