الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الرقمنة… عبر الأزمنة (١٠)

من الرؤية إلى المسؤولية… ماذا بعد الرقمنة؟

د. محمد عبدالرحيم يسن




من الرؤية إلى المسؤولية… ماذا بعد الرقمنة؟
على امتداد هذه السلسلة من آفاق رقمية، تنقلنا بين محطات متعددة ، من البيانات بوصفها تفاصيل صامتة بدأت في الكلام، إلى الخوارزميات التي لم تعد تكتفي بالتحليل، بل أصبحت تشارك الإنسان في الاختيار. ومع هذا التراكم، لم يعد السؤال المطروح هو. ماذا تستطيع التقنية أن تفعل؟ بل أصبح السؤال الأهم .ماذا ينبغي علينا أن نفعل نحن؟
لقد ادركنا زمنا لم تعد فيه الرقمنة خيارا إضافيا او ثانويا، بل واقعا يفرض حضوره في كل مفاصل الحياة.
الفرق الحقيقي لم يعد بين من يستخدم التقنية ومن لا يستخدمها، بل بين من يقود التحول ومن يقاد به دون وعي.
على مستوى الدول، أصبحت الرقمنة قضية سيادة ورؤية طويلة المدى. فامتلاك البيانات، وبناء بنية تحتية رقمية مستقلة، والاستثمار في العقول قبل الأدوات، اصبح شرطا للحفاظ على القرار الوطني. الدول التي لا ترسم طريقها الرقمي، ستجد نفسها تسير على طرق رسمها الآخرون، بخياراتهم ومعاييرهم وأولوياتهم.
أما على مستوى الحكومات، فإن التحدي لا يكمن في رقمنة الخدمات فحسب، بل في حوكمة هذا التحول. فالعالم الرقمي يحتاج إلى تشريعات مرنة، تحمي الخصوصية دون أن تخنق الابتكار، وتنظم استخدام البيانات والخوارزميات دون أن تعيق الاستفادة منها، فالحكومة الرقمية الناجحة ليست تلك التي تعمل أسرع فقط، بل تلك التي تعمل بعدل وشفافية، وتبني ثقة حقيقية مع المواطن.
وفي قلب هذا التحول لم بعد لانسان مجرد مستخدم للتطبيقات، بل أصبح جزءا من المنظومة الرقمية نفسها، وعيه، وفهمه لقيمة بياناته، وقدرته على التمييز بين الخدمة والهيمنة، كلها عوامل تحدد موقعه في المستقبل الرقمي. المواطن الواعي لا يعادي التقنية، لكنه لا يسلم لها زمام حياته دون وعي.
التحدي الأكبر في العقود القادمة لن يكون في نقص الأدوات، بل في نقص الفهم. تعليم التفكير النقدي، وغرس القيم الرقمية، وبناء ثقافة التعلم المستمر، هي الضمانة الوحيدة لأن تظل الرقمنة في خدمة الإنسان، لا العكس.
إن الرقمنة، بكل ما تحمله من وعود ومخاطر، لا تعفينا من المسؤولية الأخلاقية. فالخوارزميات قد تحسب الاحتمالات، لكن القيم وحدها هي التي تحدد الاتجاه. والسرعة قد تختصر الزمن، لكنها لا تصنع الحكمة.
وهكذا، ونحن نغلق هذه السلسلة، يبقى الدرس الأهم أن المستقبل الرقمي لا ينتظر، بل يصنع. تصنعه رؤية واعية على مستوى الدول، وتنظيم رشيد على مستوى الحكومات، ومواطن يقظ يدرك أن التقنية أداة، وأن الإنسان يجب أن يظل الغاية.
في عالم تحكمه الأرقام والأنظمة الذكية، تبقى القيم هي البوصلة التي تمنعنا من أن نضيع الطريق.
بهذا العمود نصل إلى ختام سلسلة الرقمنة… عبر الأزمنة في آفاق رقمية، وهي وقفة لا تحمل معنى النهاية بقدر ما تحمل معنى الاكتمال المؤقت. لقد كانت هذه السلسلة محاولة للتأمل والفهم، ومشاركة الأسئلة قبل الإجابات، وقد أسعدني تفاعل القراء وملاحظاتهم التي أكدت أن هذا الحوار حول الرقمنة ما زال مفتوحا وضروريا.
وبناءا على رغبة عدد من القراء، وما طرح من اقتراحات مشجعة، سيتم ـ بإذن الله ـ إعادة صياغة هذه السلسلة وتوسيعها في كتاب مستقل يحمل العنوان ذاته: “الرقمنة عبر الأزمنة”، ليكون مرجعا تأمليا يوثق هذه الرحلة، ويضيف إليها ما يستجد من رؤى وتحولات.
إلى أن نلتقي في مساحات فكرية قادمة، يبقى الامتنان موصولا لكل قارئ شاركنا هذه الرحلة، فالفكرة لا تكتمل إلا بمن يقرأها، ويتفاعل معها، ويعيد طرحها بأسئلته الخاصة.

٣ يناير ٢٠٢٦م.

اترك رد

error: Content is protected !!