
إتاحة الفرص داخل الدولة لا يمكن أن تتحقق بصورة كاملة ما لم تُبنَ على علاقة تواصل فعّالة بين الدولة والمجتمع. فالتنمية ليست مجرد خطط تُكتب في المكاتب، بل هي عملية تفاعلية تتطلب تبادلاً مستمراً للمعلومات، وتفهماً متبادلاً للاحتياجات، ومشاركة حقيقية في اتخاذ القرار. إن السودان، في مرحلته الراهنة، يحتاج إلى نموذج جديد من التواصل يضمن تكافؤ الفرص، ويعزز الشفافية، ويجعل النزاهة أساساً لكل خطوة في مسار إعادة الإعمار.
التواصل بين الدولة والمجتمع يبدأ من الاعتراف بأن المواطن ليس متلقياً سلبياً للقرارات، بل شريكاً أصيلاً في صياغتها. هذا التواصل لا يتحقق عبر الخطابات الرسمية وحدها، بل عبر آليات واضحة تسمح للمواطن بالتعبير عن رأيه، وتقديم مقترحاته، ومساءلة الجهات المسؤولة. عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع وأن مشاركته مؤثرة، يصبح أكثر استعداداً للانخراط في عملية البناء، وأكثر ثقة في مؤسسات الدولة.
تكافؤ الفرص يرتبط مباشرة بجودة هذا التواصل. فحين تكون المعلومات متاحة للجميع، وتكون الإجراءات معلنة وواضحة، يصبح الوصول إلى الفرص قائماً على الكفاءة لا على العلاقات أو الولاءات. الشفافية هنا تُعدّ شرطاً أساسياً، لأنها تمنع احتكار المعرفة، وتتيح للمجتمع مراقبة الأداء العام، وتضمن أن الموارد تُدار لصالح الجميع. أما النزاهة فهي الضمانة التي تجعل هذا التواصل صادقاً وغير خاضع للمصالح الضيقة، بحيث يشعر المواطن أن الدولة تتعامل معه بإنصاف، وأن حقوقه مصانة.
إن إعادة إعمار السودان لا يمكن أن تتم عبر قرارات فوقية أو عبر الاعتماد على جهة واحدة، بل عبر شبكة واسعة من العلاقات بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والمجتمع المدني. هذه الشبكة لا تعمل إلا إذا كان التواصل فيها مفتوحاً، وتدفق المعلومات فيها مستمراً، والثقة فيها متبادلة. فالمواطن هو محور الإعمار، وتمكينه من الوصول إلى حقوقه الطبيعية هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة قوية ومستقرة.
إن مستقبل السودان يتطلب نموذجاً جديداً من الحكم يقوم على المشاركة، ويعتمد على الشفافية، ويضمن النزاهة، ويجعل التواصل بين الدولة والمجتمع عملية يومية لا موسمية. فحين يشعر المواطن أنه جزء من القرار، يصبح جزءاً من الحل، وتتحول الدولة من سلطة فوقية إلى شريك في التنمية، ويصبح المجتمع قوة دافعة نحو التقدم لا مجرد متلقٍ للسياسات و لنا في روندا خير مثال.
الجمعة ١٦ يناير ٢٠٢٦م



