الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الحرب الثلاثية: بين وقف النار واستمرار اللهيب: هدنة على حافة الانهيار!؟

السفير د. معاوية التوم


لم يعد مصطلح “وقف إطلاق النار” في سياق الحرب الثلاثية يحمل معناه التقليدي كإجراء يوقف العمليات العسكرية في كل جبهاتها، بل بات يعكس حالة مركّبة من التهدئة الشكلية مقابل استمرار الفعل القتالي. فالميدان لا يزال مشتعلاً، والخسائر البشرية تتصاعد، بينما تتحرك السياسة في اتجاه موازٍ يحاول احتواء الانفجار دون إطفائه بالكامل.الامر الذي يعرض التوافق الأمريكي الذي دعمته إسرائيل لاحقاً بتحفظ على شموله جبهة لبنان التي أكدها الوسيط.

هدنة تُخرق تحت النار
تواصل تل أبيب عملياتها الجوية بوتيرة مكثفة، متجاوزة عمليًا أي التزامات ضمنية بوقف إطلاق النار. أكثر من مائة غارة خلال فترة وجيزة ومئات القتلى والجرحى، تكشف أن خيار القوة لا يزال الأداة الرئيسية لإعادة تشكيل ميزان الردع، أو فرض وقائع تفاوضية جديدة، وربما نسف الحوار الذي لم يبدأ.

في المقابل، تقف واشنطون في موقع رمادي؛ تدعم التهدئة سياسيًا، لكنها تترك لنفسها مساحة مناورة خارج الالتزامات باتفاق رديف مع إسرائيل ، ما يعكس نهج “إدارة الصراع” بدلًا من حسمه الأمر الذي يصعب وقف إطلاق النار وصموده ويجد حاجز عدم الثقة.

لبنان يدخل المعادلة: توسيع رقعة الاشتباك
الإشارة الصادرة من إسلام آباد بشأن شمول لبنان في إطار التهدئة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحرب لم تعد محصورة جغرافيًا بحسبانها حزءً من تداعيات البحر بمثل ما هو انعكاسها على دول الخليج منذ اندلاعها.

دخول لبنان في معادلة “وقف إطلاق النار” يعني أن أي خلل في الالتزام قد يفتح جبهة إضافية، أو يعيد تنشيطها، خاصة في ظل الترابط العملياتي بين الساحات. وهذا يرفع من مستوى المخاطر، حيث تصبح الهدنة متعددة الجبهات أكثر هشاشة وأصعب في الضبط والاحتواء.

شراكة الحرب وتباعد المصالح: واشنطن وتل أبيب
رغم التحالف الاستراتيجي بين واشنطون وتل أبيب ، إلا أن المرحلة الراهنة تكشف عن “تلازم في الحرب” يقابله “افتراق في الحسابات والمصالح الداخلية وخطابها السياسي”.

فالولايات المتحدة تميل إلى احتواء التصعيد لتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، بينما ترى إسرائيل في استمرار الضغط العسكري فرصة لتغيير قواعد الاشتباك. هذا التباين لا يصل إلى حد القطيعة، لكنه يخلق فجوة في إدارة التوقيت وحدود التصعيد قد يهوي بالهدنة.

الضغوط الداخلية: صانع القرار تحت الإكراه
تقف الأطراف الرئيسية تحت ضغوط داخلية متزايدة:
• في تل أبيب ، يواجه صانع القرار ضغطًا أمنيًا وسياسيًا يدفعه نحو الاستمرار في العمليات لتأكيد الردع وتجنب أي صورة “تراجع” بتقديرات خاصة حتى لو انهار الاتفاق.
• في واشنطون، تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية، خصوصًا مع انعكاسات الحرب على أسواق الطاقة والرأي العام، ليعود ترامب بالقول ان لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار .
• في طهران، تُطرح مسألة جدوى الالتزام بالتفاهمات في ظل استمرار الضربات على لبنان، مع تزايد الأصوات الداعية إلى مراجعة الاتفاق أو الانسحاب منه، والمناداة بتدخل دولي بحول دون الانهيار.
هذه الضغوط تجعل من أي قرار بالتهدئة قرارًا مكلفًا داخليًا، ما يفسر هشاشة الالتزامات وسرعة خرقها وهي في بواكيرها ويهدد عمليا ببدء المفاوضات يوم الجمعة كما اعلن.

إيران بين المراجعة والتصعيد المحتمل

إشارات طهران إلى مراجعة الاتفاق تضع الهدنة أمام اختبار حقيقي. فإما أن تُترجم هذه المراجعة إلى ضغط تفاوضي، أو تتحول إلى انسحاب فعلي يعيد إشعال المواجهة على نطاق أوسع، لاشتراطها. دخول لبنان وتضمينها بالنقاط العشرة .
وفي الحالتين، فإن الموقف الإيراني يبقى عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

السيناريوهات المحتملة

  1. انهيار الهدنة وتوسيع الحرب
    مع دخول لبنان في المعادلة، قد يؤدي أي تصعيد إلى فتح جبهات متعددة، بما يهدد بتحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، ربما تشمل اليمن لان إسرائيل تنادي بفتح باب المندب أيضاً.
  2. استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم”
    هدنة هشة، غارات متقطعة، وردود محسوبة—وهو السيناريو الأقرب حاليًا، حيث تستمر الحرب دون إعلانها رسميًا، باتفاق رديف.
  3. تهدئة مشروطة متعددة الجبهات
    تشمل لبنان وساحات أخرى، مع ضمانات دولية نسبية، لكنها تظل قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
  4. تعمّق الفجوة الأمريكية–الإسرائيلية
    قد تتسع فجوة المصالح بين واشنطون وتل أبيب خاصة إذا رأت واشنطن أن استمرار التصعيد يهدد مصالحها الأوسع في المنطقة، حيث أعلنت انها تمضي لوقف إطلاق النار بتأييد دول في المنطقة في اشارة للخليج وإسرائيل والعراق.

خاتمة: هدنة بلا مظلة صلبة
ما يجري اليوم لا يرقى إلى وقفٍ فعلي للحرب، بقدر ما هو إعادة تموضع لأدواتها وتدوير لوتيرتها ضمن توازنٍ هشّ تحكمه ضغوط داخلية متصاعدة، وتباينات عميقة في المصالح، واتساع جغرافي للصراع يفتح الباب أمام انفجارات غير محسوبة. فالهدنة الراهنة تفتقر إلى مظلة صلبة تضبط إيقاعها، وتحوّلها إلى مسار سياسي مستدام، في ظل ما يجري في لبنان العراق واليمن.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب حول الاقتراب من “سلام شامل” أقرب إلى رهانات سياسية منها إلى معطيات واقعية، خاصة مع استمرار اشتعال الجبهة اللبنانية، بما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي وميدان الأحداث.
الإشكالية الأعمق تكمن في محاولة الولايات المتحدة إدارة الصراع عبر مقاربات رديفة، تراعي شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل دون الأطراف الأخرى بالمنطقة، ودون أن تنجح في ردم الهوة الواسعة مع ايران، وهي هوة بنيوية تتجاوز التكتيك إلى تضارب في الرؤى والأهداف. هذا التباين يجعل من الصعب صياغة معادلة توازن مستقرة، خصوصًا مع تشابك الساحات وامتداد خطوط التماس بين لبنان ودوائر النفوذ الإقليمي.
كما أن فائض القوة الذي مورس على لبنان، في ظل تفاهمات غير مكتملة أو “اتفاقات رديفة”، لا يعكس فقط اختلال ميزان القوى، بل يهدد أيضًا بنسف ما تبقى من اتفاقات مبدئية، ويضعف فرص تثبيت أي تهدئة حقيقية. إذ لا يمكن لأي اتفاق أن يصمد ما لم يكن شاملاً، ومتوازنًا، ويأخذ في الاعتبار ترابط الجبهات ووحدة مسرح العمليات.
وعليه، فإن بقاء هذه الهدنة مرهون بسرعة تحرك المجتمع الدولي لإعادة صياغتها ضمن إطار أوسع وأكثر تماسكًا، يشمل لبنان ضمن معادلة واضحة، لا كملحق تفاوضي. أما الإبقاء على مقاربات جزئية أو انتقائية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهشاشة، ودفع المنطقة خطوة إضافية نحو حافة الانفجار.
حتى الآن، ترجّح المؤشرات أن المنطقة لا تزال تسير فوق خط صدعٍ مفتوح، حيث يكفي خطأ واحد أو حسابات خاطئة لإسقاط كل شيء، وإعادة إشعال صراع قد يكون أكثر اتساعًا وكلفة.
——————
٩ أبريل ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!