الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران… صراع تثبيت لا معركة حسم

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليس بالضرورة في الحروب أن تكون الغاية دائمًا تحقيق نصر كامل، كما أن بعض الضربات لا تًصمم بالضرورة لإسقاط الخصم أو إنهائه. فثمة حروب تُدار بهدف أكثر تعقيدًا، على نحو إعادة ضبط ميزان القوة، وإعادة تعريف حدود الردع، ورسم قواعد اشتباك جديدة لا تُعلن نهايتها ببيان، بل تتشكل تدريجيًا على وقع الضربات وتبادل الرسائل. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها حربًا تُدار بمنطق “التثبيت” أكثر مما تُدار بمنطق “الحسم”.

من الناحية العسكرية، سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق جملة من الأهداف الواضحة؛ منها إضعاف القدرات الإيرانية، خصوصًا في مجال بنية الصناعة و القدرة الدفاعية، والصواريخ والبنية المرتبطة بها، وتقليص فاعلية الشبكات المرتبطة بطهران في الإقليم، وفرض معادلة ردع جديدة تمنع نقل التهديد إلى العمق الإسرائيلي أو إلى الممرات الحيوية. وقد نجحت هذه العمليات، إلى حدٍّ معتبر، في إلحاق أذى حقيقي بالبنية العسكرية الإيرانية، وأظهرت قدرة عالية على تنفيذ ضربات دقيقة ومركزة، كما وفّرت اختبارًا عمليًا لمنظومات الدفاع الجوي، وأعادت التأكيد على التفوق التكنولوجي والقدرة العملياتية. كما تحولت هذه المواجهة إلى ساحة اختبار حي للمنظومات العسكرية المتقدمة، حيث لا تُدار العمليات فقط لتحقيق أهداف آنية، بل لاستخلاص دروس تشغيلية وتطوير قدرات ستُستخدم في صراعات قادمة.

غير أن هذا النجاح ظل محكومًا بسقف واضح؛ إذ لم تتمكن هذه الضربات من شلّ القدرة الصاروخية الإيرانية، ولا من إنهاء قدرة طهران على الرد أو المبادرة، كما لم تُفضِ إلى تفكيك كامل لشبكاتها الإقليمية. بمعنى أدق، تحقق “التقييد” دون أن يتحقق “الإلغاء”، وأُنجز “الإيذاء” دون أن يُفضي إلى “الحسم”. وهكذا، لم تُنتج هذه الحرب ميزان قوة جديدًا بقدر ما أعادت ضبط ميزان قائم، دون أن تكسره. إن ما يجري الآن ليس صراعًا على من يربح الحرب، بل على من يحدد شكل الحرب القادمة.

في المقابل، دخلت إيران هذه المواجهة بأهداف عسكرية مختلفة في طبيعتها، تقوم على الصمود والاستمرارية أكثر من السعي إلى التفوق الكاسح. فقد عملت على تثبيت قدرتها على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، ولو بحدود محسوبة، والحفاظ على بنيتها الصاروخية كأداة ردع أساسية، مع تشغيل استراتيجية “تعدد الجبهات” عبر وكلائها في الإقليم، بما يخلق حالة استنزاف ممتدة بدل الانخراط في مواجهة تقليدية مباشرة. وقد نجحت، إلى حدٍّ بعيد، في الحفاظ على هذه المعادلة؛ فلم تُفقد قدرتها على الرد، ولم تُستنزف أدواتها بالكامل، كما بقيت قادرة على إبقاء مساحات التوتر مفتوحة، بما في ذلك التأثير غير المباشر على الممرات البحرية الحيوية.

لكن هذه النجاحات بدورها لم ترتقِ إلى مستوى التحول الاستراتيجي الحاسم؛ إذ تكبدت إيران خسائر في بعض مواقعها وبناها، وتعرضت لاختراقات استخباراتية، كما أن قدرتها على إحداث أثر عسكري حاسم في ميزان القوة ظلت محدودة. وهنا يتضح أن ما تحقق هو “البقاء الفاعل” لا “التفوق الحاسم”.

أما على المستوى السياسي، فقد سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة تثبيت حضورهما القيادي في الإقليم، وتعزيز موقع إسرائيل ضمن معادلة الأمن الإقليمي، وإعادة ترتيب شبكة التحالفات، مع ممارسة ضغط داخلي وخارجي على إيران. وقد تحقق جزء معتبر من هذه الأهداف، من خلال توحيد الحلفاء الغربيين، ورفع مستوى التنسيق العسكري مع بعض القوى الإقليمية، وإعادة إبراز إسرائيل كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية.

غير أن هذه المكاسب لم تُترجم إلى إعادة تشكيل كاملة للإقليم؛ فلم يحدث انهيار داخلي في إيران، ولم تُعزل سياسيًا بشكل كامل، كما أن بعض الحلفاء أبدوا حذرًا واضحًا تجاه الانخراط في حرب مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة. في المقابل، عملت إيران سياسيًا على كسر صورة التفوق المطلق لإسرائيل، وتثبيت نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وتعزيز سردية “محور المقاومة”، ونقل المواجهة من إطارها غير المباشر إلى مستوى أكثر وضوحًا ومباشرة. وقد نجحت في فرض نفسها كطرف حاضر في معادلة الصراع، وأثبتت أن العمق الإسرائيلي ليس بمنأى عن التهديد، كما حافظت على حضورها في عدد من البيئات الإقليمية.

لكن، كما في الجانب العسكري، بقي هذا النجاح دون مستوى التحول الحاسم؛ إذ لم يتغير ميزان القوى الاستراتيجي بصورة جذرية، ولم تُرفع الضغوط الاقتصادية والسياسية عنها، كما لم تتمكن من كسر الطوق الغربي المفروض عليها.

وإذا جُمعت هذه المعطيات في إطار تحليلي واحد، يتبين أن ما يجري ليس حربًا تقليدية تُقاس بنتائج ميدانية نهائية، بل صراع مركب تُدار فيه العمليات لتحقيق أهداف تراكمية، تُعيد تشكيل قواعد اللعبة أكثر مما تُنهيها. فكل طرف نجح في تحسين موقعه داخل المعادلة، دون أن يتمكن من إقصاء الطرف الآخر أو فرض إرادته الكاملة عليه. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز الزمن كمتغير استراتيجي حاسم، حيث لا يتنافس الأطراف فقط على القوة، بل على القدرة على الاستمرار، وتحمل كلفة الصراع، وإدارة الاستنزاف على المدى الأطول.

وفي هذا السياق، يبرز بُعد بالغ الأهمية يتجاوز حدود الضربات العسكرية، ويتمثل في إدخال الممرات البحرية وسلاسل الإمداد ضمن ساحة الصراع، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على الأهداف العسكرية المباشرة، بل امتدت لتطال أمن الملاحة، وتكاليف التأمين البحري، واستقرار التدفقات التجارية، وهو ما يضع هذا الصراع في تماس مباشر مع قواعد القانون الدولي للبحار، خاصة ما يتعلق بحرية الملاحة في المضائق الدولية، ويرفع من دور شركات التأمين البحري ومؤسسات الحماية والتعويض (P&I Clubs) بوصفها فاعلًا غير تقليدي في معادلة الصراع. وهنا، تتحول السيطرة على المخاطر البحرية من شأن اقتصادي إلى أداة سيادة ونفوذ.

ويكشف مسار العمليات أن ما يجري ليس تصعيدًا مفتوحًا بقدر ما هو إدارة دقيقة لسقوف التصعيد، حيث تُضبط الضربات والردود ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، دون أن توقف ديناميكية الاشتباك.

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما تحقق فيها حتى الآن، بل ما أسسته من قواعد جديدة. فقد انتقل الصراع من طور “الإنكار المتبادل” إلى طور “الاشتباك شبه المباشر”، ومن حروب الظل إلى حافة المواجهة المكشوفة، دون أن ينفجر إلى حرب شاملة. وهذه المنطقة الرمادية هي الأكثر تعقيدًا وخطورة، لأنها تُبقي الباب مفتوحًا أمام التصعيد، وفي الوقت ذاته تمنع الوصول إلى تسوية نهائية.

وعليه، فإن القراءة الدقيقة لما جرى حتى الآن تقود إلى خلاصة واضحة، مفادها أنه لا نصر حاسمًا قد تحقق، ولا هزيمة كاملة قد فُرضت، بل تشكّلت معادلة ردع متبادل جديدة، يسعى كل طرف من خلالها إلى تثبيت موقعه، وتحسين شروطه، وانتظار اللحظة التي قد تسمح له بالانتقال من التثبيت إلى الحسم.

ما يجري اليوم ليس حربًا تُحسم في الميدان، بل صراع يُعاد فيه تعريف الميدان نفسه، لتعدد ساحاته وتشابك مستوياته، وتُعاد فيه صياغة حدود القوة وكتابة قواعد الاشتباك القادمة، لا على أساس من ينتصر، بل على أساس من يملك القدرة على البقاء في قلب اللعبة دون أن يُقصى منها أو يُنهك خارجها. حيث لا تُقاس القوة بمن ينهي الحرب، بل بمن يحسن إدارتها.

الخميس 2 ابريل 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!