الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران… من الضربات إلى إعادة تشكيل الإقليم

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تجاوزت المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كونها حدثًا عسكريًا يمكن قراءته ضمن حدود الاشتباك التقليدي، أو حتى ضمن منطق “الرد والرد المقابل” الذي حكم كثيرًا من صراعات المنطقة في العقود الماضية. بل نحن أمام طور جديد من الصراع، تتداخل فيه الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى مع أدوات إدارة الحرب الحديثة، ويتحوّل فيه مسرح العمليات من الحدود السياسية للدول إلى معالم ومفاصل الجغرافيا الحيوية، وأصبحت ساحات القتال تتجاوز أهدافها وحدودها العسكرية التقليدية، لتطال شبكات الطاقة ومسارات الإمداد وممرات الملاحة البحرية.

إن قراءة هذا الصراع في لحظته الراهنة تكشف أننا لسنا بصدد حرب للحسم السريع، ولا عملية عسكرية تهدف إلى إسقاط نظام في غضون أسابيع، بل أمام نموذج مركب لحرب متعددة المستويات، تُدار على موجات متتابعة من الضغط العسكري والمناورة السياسية، والاستنزاف الاقتصادي، وإعادة توزيع المخاطر على الإقليم والعالم.

في هذا السياق، يمكن فهم الضربات التي استهدفت العمق الإيراني، خاصة المنشآت النووية والبنية العسكرية الحساسة، بوصفها جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تقليص القدرات، لا احتلال الأرض. فالمنطق الحاكم لهذه العمليات لا يسعى إلى إدارة حرب برية شاملة داخل إيران، بقدر ما يركز على شلّ مفاصل القوة الاستراتيجية: الدفاع الجوي، الصواريخ بعيدة المدى، مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الإنتاج النووي. إنها حرب “تفكيك القدرة” أكثر منها حرب “إسقاط النظام”.

غير أن ما يقابل هذه الاستراتيجية هو تحوّل واضح في نمط الرد الإيراني، الذي أخذ يتجه بصورة متزايدة نحو أدوات الحرب اللامتماثلة. فإيران، التي تدرك اختلال ميزان القوة في المواجهة المباشرة، أعادت توزيع المعركة خارج حدودها، عبر توسيع بنك الأهداف ليشمل القواعد العسكرية، والمصالح الحيوية، والممرات البحرية، وهو ما يعني عمليًا نقل الصراع من “مواجهة ثنائية” إلى “شبكة اشتباك إقليمية” متعددة العقد.

وفي قلب هذا التحول، برز مضيق هرمز بوصفه العقدة الاستراتيجية الأهم في المرحلة القادمة. فالمعركة لم تعد فقط حول من يضرب من، بل حول من يستطيع أن يعطّل تدفق الطاقة العالمية، ولو بصورة جزئية أو متقطعة. إن أي اضطراب في هذا الممر لا يحتاج إلى إغلاق كامل ليحدث أثره، بل يكفي أن يتحول إلى منطقة عالية المخاطر، ترتفع فيها كلفة التأمين والشحن، ليبدأ تأثيره بالتمدد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي هذا السياق، لا يقتصر أثر تهديد الممرات البحرية على الجانب العملياتي أو الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليصطدم بالإطار القانوني والمؤسسي الذي يحكم حركة التجارة العالمية. فحرية الملاحة، بوصفها أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي للبحار، لا تُختبر فقط في حالات الإغلاق الكامل، بل تتآكل فعليًا حين تتحول الممرات إلى بيئات عالية المخاطر، ترتفع فيها كلفة التأمين البحري، وتُعاد فيها تسعير المخاطر وفق اعتبارات أمنية لا قانونية. وهنا، لا يكون التعطيل ناتجًا عن قرار سيادي مُعلن، بل عن ديناميات سوق التأمين وإدارة المخاطر، بما يحوّل الجغرافيا إلى أداة ضغط قانوني–اقتصادي غير مباشر، تتجاوز في أثرها كثيرًا من أدوات الحظر التقليدية.

غير أن القراءة الأعمق تشير إلى أن هرمز قد لا يكون وحده في دائرة الضغط، فالمسار المنطقي لتوسيع الكلفة الاستراتيجية يقتضي نقل جزء من هذا الضغط إلى ممرات أخرى، وعلى رأسها باب المندب والبحر الأحمر. وهنا تتجلى خطورة التحول من حرب جوية–صاروخية إلى حرب ممرات بحرية، حيث يصبح التحكم في الجغرافيا أداة لإعادة تشكيل موازين القوى، وليس مجرد وسيلة ضغط تكتيكي.

وعلى امتداد هذا المشهد، تبدو الجبهات المحيطة بإيران – في لبنان وسوريا والعراق – مرشحة لأن تظل في حالة اشتباك منخفض إلى متوسط الكثافة، بما يشبه “حرب الاستنزاف المتوازي”. فالتوسع هنا لا يأتي بالضرورة على شكل انفجار شامل، بل عبر تصعيد تدريجي محسوب، يضمن استمرار الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة بالكامل.

أما على مستوى الداخل الإيراني، فإن الرهان على انهيار سريع للنظام يبدو، في هذه المرحلة، أقرب إلى التقدير المتعجل. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الضربات الخارجية، بدل أن تُضعف الأنظمة سريعًا، قد تدفعها إلى مزيد من التماسك الأمني والتشدد السياسي، وهو ما يرجّح أن تتحول إيران إلى نموذج أكثر انغلاقًا وصلابة، لا إلى نظام يتهاوى تحت وقع الضربات.

وفي موازاة ذلك، تتصاعد الكلفة العالمية للحرب بوتيرة متسارعة، حيث لم تعد آثارها محصورة في نطاقها الجغرافي المباشر، بل بدأت تتجلى في أسواق الطاقة، وأسعار التأمين البحري، وسلاسل الإمداد العالمية. وهنا تتحول الحرب من صراع إقليمي إلى عامل ضغط دولي، قد يدفع القوى الكبرى — وهو ما يحدث الآن بالفعل — إلى البحث عن صيغ لاحتواء التصعيد، ليس بدافع إنهاء الصراع، بل للحد من كلفته.

وبناءً على ذلك، فإن نهاية هذه المرحلة من الحرب – إن تحققت – لن تكون على الأرجح نهاية للصراع ذاته، بل انتقالًا به من طور الانفجار إلى طور الاشتباك المزمن. أي أننا قد نشهد تهدئة نسبية أو وقفًا جزئيًا للعمليات واسعة النطاق، دون أن تُحل القضايا الجوهرية التي تقف خلف هذا الصراع، وعلى رأسها الملف النووي، وبرنامج الصواريخ، وشبكات النفوذ الإقليمي.

إن الخطر الحقيقي في هذه الحرب لا يكمن فقط في حجم الدمار المباشر، بل في طبيعة التحول الذي قد تفرضه على الإقليم. فإذا ما استقر الصراع في معادلة “الضغط عبر الممرات”، فإن الشرق الأوسط لن يعود مجرد ساحة نزاعات تقليدية، بل سيتحول إلى مركز إعادة تشكيل للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، حيث تصبح الجغرافيا البحرية هي اللغة الجديدة للقوة.

وفي هذا الإطار، فإن دول البحر الأحمر، وعلى رأسها السودان، تجد نفسها – شاءت أم أبت – جزءًا من هذا التحول، ليس باعتبارها أطرافًا في الحرب، بل باعتبارها واقعة على خطوط التماس الجيوسياسي الجديدة. وهو ما يفرض ضرورة الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل، عبر بناء رؤية استراتيجية تستوعب طبيعة هذا التحول، وتُحسن توظيف الجغرافيا بدل أن تتحول إلى ضحية لها.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب… بل إعادة تعريف لمفهوم الحرب ذاته، وإعادة رسم لخرائط القوة في الإقليم والعالم. ومن لا يقرأ هذه التحولات بعين استراتيجية، قد يجد نفسه، مرة أخرى، في موقع المتأثر لا المؤثر، وفي هامش الحدث لا في مركز صناعته.

الاربعاء 25 مارس 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!