
حين يُذكر “الجيل Z”، يُقصد به أولئك الذين وُلدوا تقريبًا بين عامي ١٩٩٥ و٢٠١٠ — أي الجيل الذي فتح عينيه على الإنترنت قبل أن يعرف العالم دونه.
في علم الاجتماع السياسي، يُنظر إليه بوصفه الجيل الأول الذي تشكّلت هويته ووعيه في الفضاء الرقمي، حيث الوجود الحقيقي ممتزج بالافتراضي، والمعنى يُصاغ عبر المشاركة لا عبر السلطة.
وفي المعنى الأعمق، يعيش هذا الجيل زمن انتقال بين منطق الدولة القديمة ومنطق الشبكة، بين الطاعة والاختيار، بين الحدود المرسومة والأفق المفتوح.
يبدو هذا الجيل وكأنه يسير في مفترق طرق بين عالمين، الأول عالم يتداعى ببطء تحت وطأة الزمن، والثانى يتشكل على الشاشات بسرعة الضوء. جيل وُلد في زمن العولمة الرقمية، فكوّن وعيه بين الشبكات الاجتماعية وخوارزميات المنصات، وتشكل وعيه على فكرة أن الكلمة قد تُحدث أثرًا عالميًا، وأن الصورة قد تُشعل ثورة.
إنه الجيل الذي لم يعرف العالم قبل الإنترنت، ولا يثق في المؤسسات التي كانت تمثل “الواقع” قبل أن يصبح الواقع ذاته افتراضيًا.
لكن خلف هذا الزخم التكنولوجي، يتحرك شيء أعمق بكثير. فجيل Z لا يكتفي بالتفاعل مع الأحداث، بل يسعى لإعادة تعريف معنى السياسة والمجتمع معًا — وإن بدا مترددًا، ممزقًا بين الرغبة في التغيير والخوف من أن يتحول التغيير إلى فوضى.
جذور التمرد: لماذا يسعى هذا الجيل إلى التغيير؟
لم يولد هذا الاضطراب من فراغ. فالعالم الذي ورثه الجيل الجديد يبدو، في نظره، مثقلًا بما لا يُحتمل:
•أنظمة حكم طالت إقامتها حتى صارت السلطة فيها امتيازًا شخصيًا أو عائليًا.
•فساد مستشرٍ ينهش جسد الدولة والمجتمع معًا.
•مساحات حرية تضيق حتى تُخنق الفكرة في مهدها.
•أفق سياسي مسدود لا يَعِد إلا بالمزيد من الدوران في الحلقة نفسها.
•أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة، جعلت من “الاستقرار” شعارًا فارغًا أمام واقع يزداد هشاشة.
في مثل هذا المناخ، لا تبدو الرغبة في التغيير خيارًا سياسيًا، بل غريزة بقاء.
حركات غيّرت وجه العالم:
في هونج كونج عام ٢٠١٩، قاد الجيل Z احتجاجات واسعة ضد مشروع قانون التسليم، مستخدمين غرف محادثة مشفرة مثل «تليغرام» لتنسيق تحركاتهم بلا قيادة مركزية، مما أدى إلى إلغاء القانون وتعزيز الوعي الديمقراطي رغم القمع الشديد.
في الولايات المتحدة، أحيا الجيل Z حركة “حياة السود مهمة” عام ٢٠٢٠ بعد مقتل جورج فلويد، مستخدمين وسائل التواصل لنشر الحملات، مما أدى إلى إصلاحات في قوانين الشرطة مثل حظر الخنق، بدعم ٩٠٪ من الشباب الأمريكيين.
وفي حركة المناخ العالمية، أشعلت جريتا ثونبرج شرارة الإضرابات المدرسية عام ٢٠١٨، دافعة ملايين الشباب إلى الشوارع، مما أثر على سياسات الاستدامة رغم إخفاقات مؤتمرات المناخ.
في بنجلاديش عام ٢٠٢٤، قاد الجيل Z احتجاجات طلابية ضد نظام الحصص في الوظائف الحكومية، تحولت إلى ثورة أطاحت برئيسة الوزراء شيخة حسينة، وأدت إلى حكومة انتقالية بمطالب إصلاحات اقتصادية واجتماعية.
وفي مدغشقر عام ٢٠٢٥، أطلق الجيل Z حركة “Gen Z Madagascar” ضد انقطاع المياه والكهرباء، تطورت إلى مطالب سياسية أدت إلى إسقاط الرئيس أندريه راجولينا، مع استيلاء الجيش على السلطة واستمرار الشباب في الضغط لإصلاحات.
في المغرب، قادت حركة “Gen Z ٢١٢” منذ عام ٢٠٢٤ مظاهرات عبر منصات مثل «ديسكورد» ضد الفساد ونقص الفرص، مطالبةً بإصلاحات في التعليم والصحة رغم القمع الحكومي.
وفي لبنان عام ٢٠١٩، أشعل الجيل Z احتجاجات ضد ضريبة “واتساب”، مما أدى إلى استقالة الحكومة وتصاعد دعوات لعدالة اجتماعية.
أما في إيران عام ٢٠٢٢، فتحدّت الفتيات نظامًا صارمًا عبر رمزية شعر مكشوف وحملات رقمية بعد مقتل مهسا أميني، مع استمرار الضغط لتغيير قوانين الحريات الشخصية.
مسار العاصفة: كيف يتطور التغيير؟
حين يبدأ التغيير، لا يكون واضح الملامح في بدايته. يتقد أولًا بشعور طاغ بالنقاء الثوري، ثم تتسع دوائر المشاركة، وتتشابك القوى الفاعلة على أرض الحلم.
لكن سرعان ما تظهر التباينات؛ اختلافات في الرؤى و الأهداف و الأيديولوجيات، تتطور إلى خلافات في الاتجاه، ثم إلى صراعات على القيادة والتفسير والغايات نفسها.
وحين يعلو صوت الصراع على صوت الحلم، يتقدم الطرف الأقوى — سياسيًا أو تنظيميا أو عسكريًا أو إعلاميًا — لينقض على الآخرين، ويعيد إنتاج النظام القديم بوجه جديد، أو يؤسس نظامًا جديدًا يستخدم الأدوات ذاتها التي حاربها بالأمس.
في بنجلاديش، على سبيل المثال، تواجه الحكومة الانتقالية تحديات الاستقرار بعد إسقاط النظام القديم، مما يعكس هذا التحول غير الخطي.
نحو تعاملٍ رشيد مع جموح الجيل الجديد :
ليس الخطر في جموح هذا الجيل، بل في سوء فهمه.
حين تُقابل طاقته بالقمع، تتحول الحيوية إلى غضب، والإبداع إلى تحدٍّ مدمّر.
أما حين يُمنح مساحة للفعل والمشاركة، يمكن تحويل اندفاعه إلى طاقة بناء.
في تونس، على سبيل المثال، أدت مبادرات الحوار مع الشباب إلى إصلاحات محدودة في التعليم والتوظيف، خففت من حدة التوتر.
التعامل الرشيد يبدأ بالإنصات — لا بالوصاية — ويمر عبر إشراك الشباب في دوائر القرار الفعلية، مثل المجالس الاستشارية، لا في لجان رمزية.
على النظم السياسية والمجتمعات أن تتحدث بلغتهم، عبر منصات مثل «إكس» و«تيك توك»، وتخاطب وعيهم بالشفافية وسرعة الاستجابة.
في المقابل، القمع، كما في إيران، يولد معارضة رقمية لا تُرى جبهاتها، ويزيد الاستقطاب، كما حدث في ميانمار، حيث دفع القمع الشباب إلى المقاومة المسلحة.
إن استيعاب هذا الجيل لا يعني ترويضه، بل فهم منطقه المختلف؛ فهو لا يطلب السلطة، بل يطلب المعنى.
نماذج الدولة الوطنية بعد التغيير:
ليست كل الثورات طريقًا إلى النور، فنتائج التحول تختلف باختلاف موازين القوى وإرادة الإصلاح، و يمكن تقسيم نتائج التغيير المترتبة على الفعل الثورى إلى أربعة نماذج رئيسية؛
•ديموقراطية ناجحة وتنمية حقيقية: حين تتماسك القوى السياسية والاجتماعية وتنسحب المؤسسة العسكرية من الفعل السياسي.
•ديموقراطية شكلية وتنمية محتملة: حين تبقى القوى السياسية في الواجهة شكليًا، بينما تتحكم الأجهزة الأمنية في مفاصل القرار.
•ديموقراطية مقوّضة وتنمية مقوّضة: حين تنسحب القوى المدنية والعسكرية معًا، تاركة فراغًا تملؤه البيروقراطية أو القوى الخارجية.
•دولة على حافة الهشاشة: حين تتناحر القوى السياسية والمجتمعية والعسكرية، فتتراجع السيادة وتُفتح الأبواب أمام التدخلات الأجنبية والانقسام الداخلي.
جيل بلا مركز .. لكنه ليس بلا بوصلة:
رغم تشتته الظاهري، يملك هذا الجيل بوصلة أخلاقية صلبة: العدالة، المساواة، الكرامة، والمساءلة.
قد يختلف في الوسائل، وقد يبدو عاجزًا أحيانًا عن ترجمة وعيه إلى فعل سياسي منظم، لكنه لا ينسى.
إنه جيل لا ينتمي إلى الأيديولوجيات بقدر ما ينتمي إلى القيم، ولا ينتظر قائدًا بل يخلق الموجة ويتلاشى فيها.
ربما لا يمكن التنبؤ بنتائج التغيير الذي قد يحدثه، لكن المؤكد أن العالم بعده لن يكون كما كان قبله.
الجيل Z والنظام الدولي الجديد:
التحولات التي يقودها هذا الجيل تتجاوز حدود الدول إلى موازين القوة العالمية نفسها.
فهو جيل عالمي الهوية، لا يرى في الحدود سوى خطوط قديمة على خريطة رقمية مفتوحة.
وإذا كان القرن العشرون قرن الدول، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون قرن الشبكات، حيث يزداد وزن الفاعلين غير الحكوميين، وتتحول القوة من السيطرة إلى التأثير، ومن المركز إلى الأطراف.
جيل Z لا يحمل أيديولوجيا، لكنه يحمل لغةً جديدة للعالم — لغة المشاركة، الشفافية، والمساءلة — وهي القيم التي قد تشكل جوهر النظام الدولي القادم إن نضجت تجارب هذا الجيل واشتد وعيه.



