(تفكيك منهجي لمقال د. الوليد آدم مادبو)

أثار المقال الذي حمل عنوان «سبعة وثامنهم كلبهم: حين تتعرّى القومية من آخر أقنعتها» للدكتور الوليد آدم مادبو والمنشور بتاريخ 7 ابريل 2026م، طرح رؤية تبدو في ظاهرها تحليلية، لكنه في جوهره يقوم على قفزة منهجية خطرة؛ إذ ينتقل من سرد أسماء إلى إطلاق حكم بنيوي شامل على مؤسسة الدولة العسكرية، دون تقديم إطار علمي يثبت العلاقة بين المقدمة والنتيجة. فالمقال لا يناقش أداء الجيش، ولا بنيته التنظيمية، ولا عقيدته القتالية، ولا تاريخه المؤسسي، بل يكتفي بإحصاء انتقائي لأسماء قيادات، ثم يبني عليها استنتاجًا مفاده أن الجيش السوداني ليس قوميًّا، وأنه يمثل بنية اجتماعية مغلقة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: ليس في النقد ذاته، بل في المنهج الذي قاد إليه.
إن أول خلل واضح في المقال يتمثل في القفز من الأسماء إلى الاستنتاج. فالكاتب يذكر أسماء قيادات، وينسب إليها انتماءات قبلية، ثم يستنتج أن الجيش غير قومي. وهذا استنتاج غير علمي لعدة أسباب. فالانتماء القبلي لا يساوي الانتماء المؤسسي، كما أن الكاتب لم يثبت وجود آلية تعيين قائمة على القبيلة، ولم يقدم دليلًا على وجود سياسة انتقاء قبلي داخل المؤسسة العسكرية، ولم يقارن بقيادات أخرى من فترات مختلفة، ولم يقدم بيانات تاريخية شاملة حول تركيبة الجيش عبر الزمن. بل اكتفى بلحظة زمنية محدودة، وقراءة جزئية، ثم عمّمها على بنية مؤسسة عمرها أكثر من قرن. وهذا النوع من الاستدلال يُعرف في التحليل العلمي بـ الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، أي اختيار البيانات التي تخدم الفرضية المسبقة، وتجاهل ما يناقضها. فالمشكلة هنا ليست في قراءة الواقع، بل في صناعة واقع افتراضي يُبنى على انتقاء جزئي، ثم يُقدَّم بوصفه حقيقة بنيوية شاملة.
ويزداد الخلل وضوحًا حين نلاحظ أن معظم الانتماءات القبلية التي ذكرها الكاتب منسوبة ومقرونة بأسماء بعض القادة الذين اوردهم في المقال، ليست صحيحة ولا دقيقة أصلًا، أو على الأقل محل اختلاف اجتماعي معروف، إذ إن الانتماء القبلي في السودان ليس ثابتًا إداريًا أو مؤسسيًا، بل تحكمه تعقيدات النسب، والمصاهرة، والمناطق، والتاريخ الاجتماعي. كما أن كثيرًا من القيادات العسكرية السودانية تنتمي إلى بيئات مختلطة، أو مناطق متعددة الانتماء، ما يجعل تصنيفها القبلي الحاد تبسيطًا مخلًا. وبالتالي، فإن البناء التحليلي الذي أقامه الكاتب يقوم على معطيات غير دقيقة أصلًا، ثم يُبنى عليها استنتاج سياسي واسع، وهو ما يضاعف الخلل المنهجي.
أما الإشكال الثاني في المقال فيتمثل في تجاهل الطبيعة المهنية للمؤسسة العسكرية. فالكاتب يفترض ضمنيًا أن الجيش يجب أن يكون تمثيلًا اجتماعيًا متوازنًا، وكأن المؤسسة العسكرية مجلسًا سياسيًا أو برلمانًا جغرافيًا. وهذا افتراض غير صحيح من الأساس. فالمؤسسة العسكرية لا تقوم على مبدأ التمثيل الاجتماعي، بل على معايير مهنية صارمة، تشمل الكفاءة، والمسار الوظيفي، والأقدمية، والخبرة العملياتية، والتأهيل العسكري، والدورات القيادية، والعمل الميداني. وهذه المعايير لا تنتج توزيعًا اجتماعيًا متساويًا بالضرورة، ولا يُشترط أن تفعل ذلك أصلًا. إذ إن تحويل الجيش إلى مؤسسة تمثيل اجتماعي يعني تحويله إلى جيش محاصصة، لا جيش دولة، وهو ما يناقض مفهوم الاحتراف العسكري ذاته.
كما أن المقال يقع في خلط واضح بين “التركيبة الاجتماعية” و”المؤامرة الاجتماعية”. فوجود تركيز اجتماعي نسبي في مؤسسة ما لا يعني بالضرورة وجود تخطيط مسبق أو انتقاء قبلي أو إقصاء متعمد. فقد ينتج ذلك عن عوامل متعددة، مثل تاريخ التعليم العسكري، ومناطق التجنيد التقليدية، والثقافة العسكرية المتوارثة، والمسار الوظيفي الطويل، وأنماط الترقي المهني، وطبيعة الخدمة القتالية، ومعدلات الاستمرار في الخدمة. وهذه كلها عوامل موضوعية معروفة في علم الاجتماع العسكري، لكنها غابت تمامًا عن المقال، الذي فضّل تفسيرًا واحدًا أحاديًا ينسجم مع فرضيته المسبقة.
ومن هنا يظهر الخلل الرابع، وهو أن المقال يبدأ بفرضية مسبقة، ثم يبحث عن أدلة لتأكيدها. فالكاتب ينطلق من فكرة أن الجيش غير قومي، ثم ينتقي ما يراه داعمًا لها، دون أن يبحث عن معطيات معاكسة، أو يناقش تاريخ المؤسسة، أو يتناول قيادات من مناطق مختلفة، أو يراجع التكوين العام للقوات المسلحة، أو يستعرض تنوع الوحدات العسكرية. وهكذا يتحول النص من تحليل إلى موقف سياسي بصياغة تحليلية، حيث تُستخدم اللغة العلمية لإسناد استنتاج مُسبق.
ولا يقف الأمر عند حدود الخلل المنهجي، بل يمتد إلى خطورة الطرح نفسه. فالمقال لا يكتفي بنقد مؤسسة عسكرية، بل يؤطر الجيش ككيان اجتماعي مغلق، ويربط الدولة ببنية قبلية، ويوسع الاتهام ليشمل المجتمع المدني، ويحوّل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي. وهذا النوع من الطرح لا يقدّم تحليلًا بقدر ما يعمّق الاستقطاب، ويضرب فكرة الدولة الوطنية، ويشرعن خطاب التفكيك الاجتماعي، وينقل النقاش من نقد السياسات إلى التشكيك في بنية الدولة ذاتها. وهذه نقلة شديدة الحساسية، لأنها تستبدل مفهوم “الدولة” بمفهوم “الكتلة الاجتماعية”، وتستبدل “المؤسسة” بـ”القبيلة”، وهو تحول يهدد فكرة الوطنية نفسها.
والأهم من ذلك أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية ثابتة، وهي أن الجيش السوداني ظل عبر تاريخه مؤسسة قومية التكوين، شاركت فيها مختلف قبائل وأقاليم السودان دون استثناء. فمنذ قوة دفاع السودان، مرورًا بالجيش الوطني بعد الاستقلال، شارك أبناء الشمال والشرق والغرب والجنوب والوسط في تشكيل القوات المسلحة، وبرزت قيادات عسكرية من دارفور وكردفان والشرق والجنوب والشمال والوسط على حد سواء. ولم تكن القيادة العسكرية في أي مرحلة حكرًا اجتماعيًا ثابتًا، بل تغيّرت عبر الزمن وفق المسار المهني والترقي العسكري. كما أن الوحدات العسكرية السودانية نفسها تعكس هذا التنوع، سواء في المشاة أو المدرعات أو القوات الخاصة أو الطيران أو البحرية، وهو ما يتناقض مع فكرة “البنية المغلقة” التي يطرحها المقال.
ويُلاحظ كذلك أن المقال يعتمد لغةً عالية الإيقاع، كثيفة الإيحاء، توحي بصرامة تحليلية لا يسندها مضمون منهجي مكافئ. فالتكثيف البلاغي لا يتحول هنا إلى أداة توضيح، بل إلى وسيلة إقناع مسبق، حيث تُستخدم اللغة بوصفها بديلًا عن البرهنة. كما أن اختيار عنوان من قبيل «سبعة وثامنهم كلبهم» ينقل النقاش من مستوى التحليل المؤسسي إلى مستوى التوصيف الإيحائي، بما يحمله من دلالة تقليلية لا تنسجم مع طبيعة النقاش حول مؤسسة وطنية. فاللغة حين تتقدم على المنهج، لا تُنتج تحليلًا أعمق، بل قد تحجب ضعف الاستدلال خلف قوة التعبير، وهو ما يجعل الخطاب يبدو حاسمًا في صياغته، لكنه أقل تماسكًا في منطقه.
إن المشكلة في هذا النوع من التحليل أنه يستبدل قراءة المؤسسة بقراءة الأسماء، ويستبدل دراسة البنية بتحليل الانتماء، ويستبدل التاريخ بلحظة انتقائية. فالدولة لا تُقرأ بهذه الطريقة، والمؤسسات العسكرية لا تُفكك عبر الإحصاء الاجتماعي للأفراد، بل عبر تحليل عقيدتها، ونظمها، وآلياتها، ومساراتها المهنية. أما تحويل النقاش إلى سؤال قبلي، فهو اختزال يختصر مؤسسة الدولة في بنية اجتماعية ضيقة، وهو ما لا يخدم فهم الواقع بقدر ما يعيد إنتاج خطاب الانقسام.
إن نقد الجيش، كأي مؤسسة دولة، حق مشروع، بل ضرورة وطنية، لكن النقد الذي يقوم على الاستنتاج الانتقائي لا يقود إلى إصلاح، بل إلى تفكيك. كما أن الدعوة إلى قومية الجيش لا تتحقق عبر توزيع قبلي للقيادة، بل عبر ترسيخ المهنية، وتعزيز العقيدة الوطنية، وتوسيع فرص التدريب، وضمان العدالة في الالتحاق، وتطوير المؤسسة، لا عبر إعادة تعريفها اجتماعيًا.
وعليه، فإن ما انكشف في هذا الجدل ليس سقوط “قومية الجيش”، كما ذهب المقال، بل سقوط منهج يحاول قراءة مؤسسة وطنية بعين اجتماعية ضيقة، ثم تعميم النتيجة على الدولة كلها. فالمشكلة ليست في وجود أسماء متشابهة الانتماء، بل في تحويل ذلك إلى تفسير وحيد للتاريخ، وإلى حكم نهائي على مؤسسة قامت أساسًا على فكرة الدولة.
إن الدولة لا تُبنى على الإحصاء الاجتماعي للأفراد، ولا تُهدم به. وما بين الإحصاء الانتقائي والاستنتاج الحاسم، تسقط التحليلات التي تبدو قوية في لغتها، لكنها ضعيفة في منطقها. فالمؤسسات الوطنية لا تُقاس بأسماء أفراد، ولا تُفكك بقراءات اجتماعية ضيقة، لأن الدولة حين تُختزل في القبيلة، أو تُقرأ مؤسساتها بمنطق الانتماء الاجتماعي الضيق، فإن ذلك لا يسقط الجيش وحده، بل يسقط فكرة الوطن نفسها.
الأحد 12 ابريل 2026م


