الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

التوثيق والمعنى (4)

كيف تدار الذاكرة الوطنية؟ وأين تقف الحوكمة الرقمية؟

د. محمد عبدالرحيم يسن





في العمود السابق انتهينا إلى حقيقة مهمة ، وهي أن الذاكرة الوطنية ليست مسألة تقنية، بل مسألة سيادة، وأن المعلومة أصل وطني لا يكتمل معناها إلا بوضوح ملكيتها وحدود إدارتها. ومن هذا المدخل، يصبح السؤال العملي ملحا…. كيف تدار الذاكرة الوطنية؟ وما الدور الذي تلعبه الحوكمة الرقمية في ضبط العلاقة بين الدولة، والمؤسسة، والمعلومة؟
إدارة الذاكرة الوطنية لا تبدأ بإنشاء منصات، ولا بشراء أنظمة، ولا بتكديس البيانات في مراكز بيانات حديثة، بل تبدأ بإطار حاكم يجيب عن ثلاثة أسئلة جوهرية … من المسؤول؟ وبأي صلاحيات؟ ولأي غاية وطنية؟
فالذاكرة الوطنية لا تدار بعقلية التشغيل، بل بعقلية السياسة العامة ، وهي فعل سيادي مستمر، يتطلب مرجعية واضحة، لا تحتكر المعلومة، بل تنظم تدفقها، وتضبط استخداماتها، وتحفظ معناها عبر الزمن. وفي غياب هذه المرجعية، تتحول الرقمنة إلى مجرد نشاط إداري، وتفقد الدولة قدرتها على قراءة نفسها.
وهنا يبرز دور الحوكمة الرقمية، ليس بوصفها لوائح تقنية، بل كمنظومة تضبط العلاقة بين ثلاثة أطراف… الدولة بوصفها المالكة السيادية للمعلومة، والمؤسسة بوصفها الحارس والمسؤول التشغيلي، والمجتمع بوصفه صاحب الحق في المعرفة والمساءلة.
فالـحوكمة هي التي تحدد ما هو واجب التوثيق، وما هو حق النفاذ، وما هو حد الحجب، وتضع معايير لدورة حياة المعلومة، من لحظة إنتاجها، إلى استخدامها، إلى أرشفتها، أو إتاحتها، أو إعدامها وفق القانون. ومن غير هذا الإطار، تصبح البيانات عبئا، وتتحول الأنظمة إلى جزر معزولة، وتفقد الذاكرة الوطنية قدرتها التعلم.
ولا تكتمل هذه الحوكمة دون بنية قانونية ومؤسسية واضحة تفصل بين الأدوار، وتمنع تداخل الصلاحيات، وتحول المعلومة من مجال للاجتهاد إلى مجال للاحتكام. فالقوانين هي التي تعرف المعلومة بوصفها أصلا وطنيا، وتحدد طبيعتها، ودرجات سريتها، وحقوق النفاذ إليها، ومسؤوليات حمايتها، وحدود استخدامها. ومن غير هذا الأساس التشريعي، تظل الحوكمة الرقمية مجرد توصيات إدارية، قابلة للتجاوز والتأويل.
وفي هذا السياق، يقع على المؤسسة التشريعية دور محوري في سن تشريعات البيانات، والوثائق، والخصوصية، وحرية تداول المعلومات، بوصفها قوانين سيادية تضبط الذاكرة الوطنية على المدى البعيد، لا استجابات ظرفية لواقع تقني متغير. فالتشريع هنا لا ينظم التقنية بقدر ما ينظم العلاقة بين الدولة، والمعلومة، والمجتمع.
أما المؤسسات التنظيمية، فمهمتها تحويل هذه القوانين إلى أطر تنفيذية ومعايير وضوابط، تحدد كيفية التوثيق، وآليات المشاركة، ونماذج الحفظ، ومقاييس الجودة، ودورة حياة المعلومة، مع مراقبة الالتزام وضمان عدم انحراف المؤسسات عن الغاية الوطنية.
في حين يظل دور المؤسسات التنفيذية محصورا في الإنتاج والتشغيل والالتزام، لا في التشريع ولا في التنظيم، فهي حارسة للبيانات ومسؤولة عن دقتها واستدامتها، لكنها ليست مالكة لقرار التصنيف أو الإتاحة أو الحجب خارج ما يحدده القانون والتنظيم.
إن أخطر ما يهدد الذاكرة الوطنية هو تداخل هذه الأدوار… أن تشرع الجهة المنفذة، أو تنظم الجهة المالكة للبيانات، أو تدار المعلومة بمنطق النفوذ لا بمنطق القانون، فعندها تفقد الدولة ذاكرتها الموحدة، وتتحول المعلومة من أداة معرفة إلى أداة سلطة.
ومن أخطر ما تواجهه الدول الخارجة من الأزمات هو الخلط بين إعادة البناء وإعادة التشغيل، فإعادة التشغيل تعيد الأنظمة كما كانت، بعطبها القديم، أما إعادة البناء فتبدأ بإعادة تعريف العلاقة مع المعلومة… ماذا نوثق؟ ولماذا نوثق؟ وكيف نحول التوثيق إلى معرفة قابلة للاستخدام في القرار، وليس مجرد سجل صامت للماضي…
وفي هذا السياق، لا يكفي أن تكون لدينا بيانات صحيحة، بل يجب أن تكون مترابطة، ومفهومة، ومؤطرة بسياقها الوطني. فالذاكرة الوطنية ليست جمعا للوقائع، بل بناء للمعنى، والمعنى لا تصنعه الخوارزميات وحدها، بل تصنعه السياسات التي توجه استخدامها.
ومع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي، تصبح الحوكمة أكثر إلحاحا، فهذه الأدوات لا تسأل عن أخلاق البيانات، ولا عن عدالتها، ولا عن حساسيتها ، بل تلتهم ما يتاح لها، ومن غير إطار وطني، قد نسلم ذاكرتنا لخوارزميات لا تعرف تاريخنا، ولا تفهم تعقيداتنا، ولا تراعي خصوصيتنا الاجتماعية والثقافية.
إن إدارة الذاكرة الوطنية، في جوهرها، هي إدارة للوعي الجمعي، وضبط للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على أن تكون دولة معرفة، لا مجرد دولة أنظمة. وفي المرحلة القادمة، لن يكون التحدي في توفر التقنية، بل في نضج القرار.. هل نريد دولة تتذكر؟ أم دولة تعيد إنتاج النسيان بأدوات رقمية؟

٢٠ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!