
في العمود السابق تناولنا التوثيق بوصفه مدخلا للمعنى في مجالات التقنية والتحول الرقمي، إذ لا تنفصل الأنظمة عن السياق الذي تعمل فيه، ولا تختزل التقنية في كونها أدوات منفصلة عن الواقع.
ويبرز هذا المعنى بوضوح في القطاع المصرفي، فالأنظمة المصرفية لا تمثل مجرد برمجيات، بل تعبيرا عن تاريخ طويل من التراكم المهني، وتجسيدا لطريقة عمل هذا القطاع الحيوي، وتكيفه مع السياسات الاقتصادية والتنظيمية لكل دولة.
في هذا السياق قدمت تجربة بيت البرامج في بناء الأنظمة المصرفية نموذجا سودانيا يستحق الوقوف عنده. فالتحدي لم يكن تقنيا خالصا، بل كان بيئيا ومعرفيا في المقام الأول، فهم الأنظمة القائمة، والإحاطة بطريقة عملها، ثم إعادة بنائها، دون التفريط في جوهر العمل المصرفي.
فالأنظمة العالمية المستخدمة في السودان حينها مثل مود بانك، رغم قدم أدواتها وعدم مواكبتها للتطورات الحديثة، كانت تحمل في داخلها خبرة مصرفية متراكمة، لبت احتياجات السوق السوداني وتعقيداته. غير أن أحد أبرز التحديات التي واجهت المصارف تمثل في محدودية الدعم الفني وصعوبة التطوير والكلفة التشغيلية المرتفعة ، وندرة الخبرات والكوادر الوطنية في انظمة كوبول. في هذه الظروف بادر بيت البرامج ، بالتوثيق للنظام القائم اولا كضرورة استراتيجية، – رغم صعوبته جرى توثيق عمل هذه الأنظمة باعتباره خطوة تأسيسية لأي انتقال لاحق نحو منصات أحدث مثل أوراكل وقد شمل هذا الجهد توثيق آلاف الصفحات، لتتحول إلى جسر بين نظامين وزمنين، وضمانة لاستمرارية العمل وتطويره-
وعند توسيع زاوية النظر إلى واقع المصارف السودانية عموما حينها نلحظ الاعتماد على الأنظمة المصرفية المستوردة كان السمة الغالبة، مما استدعى مستويات عالية من المواءمة حتى تعمل بكفاءة. وفي هذا الفراغ برز دور شركات وطنية مع بيت البرامج من ابرزها شركة نارس، سعت هذه الشركات إلى تطوير حلول تنطلق من الواقع المحلي وتستوعب خصوصيته، وحققت نجاحات ملموسة بتطبيق أنظمتها في عدد من المصارف، فقد انطلقت معظم هذه التجارب من مفهوم مشترك، البناء بالسواعد الوطنية.
غير أن مسار التحول لم يكن محكوما بالاعتبارات التقنية وحدها، بل تأثر أيضا بالسياسات التنظيمية وتوجهات الجهات الإشرافية. فقد جاء قرار تأسيس شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، المملوكة لبنك السودان المركزي واتحاد المصارف وسوداتل، والتعاقد مع شركة بنتا سوفت الهندية، انطلاقا من رؤية ترى أن الحلول العالمية أكثر قدرة على مواكبة التطور التقني. هذا التوجه، بصرف النظر عن دوافعه، أدى عمليا إلى إيقاف مسار التطوير المحلي، ودفع عددا من الشركات الوطنية إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
هذه التجربة لا تطرح سؤالا تقنيا بقدر ما تطرح سؤالا مفاهيميا، ما معنى التحول الرقمي؟ هل هو مجرد استيراد أنظمة حديثة، أم بناء قدرة وطنية تفهم التقنية، وتطوعها، وتطورها؟ هنا يعود التوثيق ليؤدي دوره، لا بوصفه شهادة على الماضي، بل أداة لفهم الخيارات، وتقييم المسارات، واستخلاص الدروس بموضوعية.
واليوم، ونحن نعيد بناء السودان بعد دمار الحرب، تتضاعف الحاجة إلى هذا النوع من التفكير، فالتعافي لا يتحقق بإعادة تشغيل المؤسسات فحسب، بل بإعادة التفكير في كيفية بنائها. والاستفادة من تجارب التحول الرقمي السابقة دون تعصب مهني، وبعيدا عن ثنائية محلي أو مستورد، عبر منهج متوازن يجمع بين الخبرة العالمية والمعرفة المحلية.
ولعل من أهم مداخل هذا المسار إحياء دور الشركات الوطنية، ودعم شركات البرمجيات المحلية بسخاء، لا بوصفها بديلا مؤقتا، بل شريكا استراتيجيا في إعادة البناء. فهذه الشركات، عندما تجد الثقة والتمكين، تكون قادرة على تطوير نظم تنطلق من الواقع، وتعيد ضخ الحياة في جسد المؤسسات، وتؤسس لتحول رقمي مستدام، هذا التوجه يمكن ان يساهم في عودة كوادر وطنية مهاجرة تساهم في البناء والتعمير..
في العمود القادم من آفاق رقمية نتناول الذاكرة القومية من يملك المعلومة…
14 يناير 2026



