الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

التوثيق والمعنى (1)

د. محمد عبدالرحيم يسن




التوثيق في جوهره ليس حفظا للأحداث بقدر ما هو صيانة للذاكرة المؤسسية، حتى لا تبدأ التجارب من الصفر في كل مرة، ولا تعاد الأخطاء بثوب جديد. إنه تسجيل لتحويل التجربة إلى معرفة يمكن البناء عليها. فعندما يغيب التوثيق، تفقد التجارب كثيرا من قيمتها، ويصبح التخطيط أقل اتصالا بالواقع، وتضعف الرؤية المتراكمة التي يحتاجها أي قرار.
جاءت سلسلة التوثيق من “آفاق رقمية” انطلاقا من مسار عملي عايشته في عدد من المشاريع الرقمية، من أبرزها الفوترة في سوداتل، وتجارب التحول في المصارف التجارية وبنك السودان، وانظمة التامين أيام بيت البرامج، إضافة إلى مشروعات محورية في المركز القومي للمعلومات، مثل الشبكة القومية، ومركز البيانات الوطني، وعدد من الخدمات الإلكترونية عبر البوابة الحكومية. ولم يكن الهدف سرد الوقائع، بل التوقف عند ما تحمله هذه التجارب من دلالات، وما الذي تعنيه اليوم عندما تستدعى كشواهد في زمن مختلف.
ويمتد هذا التوثيق ليشمل كذلك التحول الرقمي في الضرائب ووزارة المالية، والأنظمة العدلية، إضافة إلى قطاعات حيوية تمس حياة الناس مباشرة، مثل الصحة والتعليم، حيث لا يكون أثر التقنية إداريا فقط، بل إنسانيا في المقام الأول.
ولعل من أبرز التجارب التي ينبغي الوقوف عندها توثيق مجهودات الدفع الإلكتروني، بوصفها أحد أعمدة التحول الرقمي في اي دولة معاصرة. فهي لم تكن مشروع جهة واحدة، بل مسارا تشارك فيه البنك المركزي، والمصارف، وشركات الاتصالات، ومزودو الخدمات، في تجربة تراكمت عبر سنوات من المحاولات والتحديات، توثيق هذه التجربة لا يهدف إلى تعداد الأسماء، بل إلى فهم الكيف، وما هي المعاني التي نقف عندها اليوم.
ومن هنا يبدأ الانتقال من التوثيق إلى المعنى، أي من تسجيل ما حدث إلى فهم مغزاه. فالتجارب الرقمية لا تقاس فقط بنجاح تنفيذها، بل بقدرتها على الاستمرار، والتكيف، وتقديم قيمة حقيقية في الواقع العملي.
وتشير الخبرة المتراكمة إلى أن التقنية، مهما بلغت درجة تطورها، لا تعمل بمعزل عن محيطها. فالأنظمة تحتاج إلى بيئة إدارية وثقافية تستوعبها، وتوظفها في الاتجاه الصحيح. كما أن توقيت الأنظمة وجاهزية السياق يظلان عاملين حاسمين في نجاح أي مشروع رقمي، مهما كانت فكرته متقدمة.
ويظل دور الإدارة عنصرا مفصليا في تحويل التقنية إلى قيمة. فعندما تفهم النظم الرقمية كأدوات لدعم القرار وتحسين الأداء، يصبح أثرها تراكميا وهادئا، أما إختزالها في تقارير ومؤشرات شكلية، فإن معناها يتلاشى سريعا.
وتؤكد التجربة أن المعرفة لا تبلغ غايتها ما لم تجد طريقها إلى القرار، وأن المعرفة التي لا تستثمر يتحول إلى أرشيف صامت.
وفي المقدمة، يظل التحول الحقيقي مرتبطا بالإنسان قبل النظام، بفهمه، واطمئنانه، وإحساسه بأن التقنية جاءت لخدمته لا لإقصائه. وعندما تتشكل هذه القناعة، يصبح التغيير أكثر سلاسة، وأكثر قابلية للاستمرار.
في العمود القادم، نقترب أكثر من الفجوة بين المعرفة المتاحة والقرار المتخذ، من خلال قراءة تجربة النظام المصرفي في السودان ودور الأطراف الفاعلة فيها، وكيف يمكن أن تتحول هذه التجربة من ذاكرة محفوظة إلى مستقبل ممكن.

١٠ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!